
12/18/2020 0:00:00
عندما كنت طالب في المدرسة الثانوية …..اتذكر اني في حصة اللغة العربية حول المعلقات السبع ، كنت اجد صعوبة بالغة في الاقتناع بتفسير سبب تسميتها بالمعلقات، لانها كانت تعلق بجدار الكعبة.
لان عالم و فضاء تلك الاشعار لم يكن يبدو لي ان له علاقة ببيئة مكة، لا من قريب و لا من بعيد ، كنت اشعر بوحود خطاء في مخيلتي المرسومة فيها مكة و انا اقرا اشعار المعلقات ، لاني لا اجد اي ارتباط بين فضاء الاشعار و فضاء قصة مكة .
و بعد وقت طويل ثار السؤال في عقلي مرة اخرى، في اثناء تفكيري في قضايا تاريخية … فقد يكون اسمها لسبب لا علاقة له بقصة تعليقها في جدار الكعبة . او ربما تم تسميتها معلقات لانها تعلق في جدار الكعبة لمنحها حالة من القداسة . او انها كانت من فضاء اخر بعيد و لا يمنع من تعليقها .
مرت الايام …..حتى يوما ما سالت نفسي :
لماذا لا تكون اشعار المعلقات السبع ، كانت فعلا تعلق في جدار الكعبة ، لكن ليست هذه الكعبة بل كعبة اخرى ، لماذا لا تكون جغرافيا و فضاء اشعار المعلقات تصف جغرافيا كعبة اخرى ؟
—— — — —
لا ياتي الحديث عن اشعار المعلقات الا و يتم استحضار كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي ، الكتاب الذي اثار ضجة كبيرة و تعرض كاتبه لتكفير لقوله ان الشعر الجاهلي كتب في فترة بعد الاسلام .
ما هي قصة كتاب طه حسين ( في الشعر الجاهلي ) ؟
بعد عودة طه حسين من فرنسا ، و تحديدا في عام 1926 نشر كتاب “في الشعر الجاهلي” ، وخلاصة كتابه أن الشعر الجاهلي منحول، وأنه كتب بعد الإسلام ونسب لشعراء جاهليين.
طه حسين توقع ان يثير كتابه ضجة ، و قد ذكر هذا في مقدمة كتابه، و بالفعل أثار الكتاب ضجة و جدلا كبيرا، و خرجت اراء كثيرة معارضة له ، و قد تصدى له العديد من الاشخاص منهم: مصطفى صادق الرافعي والخضر حسين ومحمد لطفي جمعة و غيرهم من المفكرين و الكتاب .
ليس هذا و حسب ، بل قاضى عدد من علماء الأزهر طه حسين في المحكمة إلا أن المحكمة برأته لعدم ثبوت أن رأيه قصد به الإساءة المتعمدة للدين أو للقرآن ….. فعدل اسم كتابه إلى “في الأدب الجاهلي” وحذف منه بعض الأشياء التي اخذت عليه.
.
اعتقد .. بان طه حسين و بعد عودته من فرنسا و تاثره بالمناهج التي تدرس في جامعات فرنسا، و منها على حسب كلامه منهج الشك الديكارتي، حاول ان يطبق ذلك المنهج في مجال تخصصه، و جعله يشك في كون الشعر الجاهلي اشعار تعبر عن الحياة الجاهلية و بانها قد كتب قبل القران، و هذا الشك و فق هذا المنهج افرغه في كتابه الذي نشره عام 1926 .
انا براي الشخصي .. بانه من المهم جدا اثراء المحتوى العربي في الانترنت بملخص لكتاب طه حسين حتى يصبح بمتناول الكثير ، من اجل اعادة طرح القضية التي جاء بها طه حسين و اثارتها مرة اخرى في الوسط الفكري .
و لذلك سنحاول ان نقدم ملخص لكتاب طه حسين في مقالات عديدة، و نقتطف اهم ما جاء في الكتاب.
—————————————–
● كان طه حسين يعلم جيدا ما سوف يحدثه كتابه من ضجة ، فمما قاله في مقدمة كتابه :
هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفة الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورار ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة. وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين، ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور.
وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة، وزخر الأدب الجديد.
● يقول طه حسين :
الشعر الجاهلي اشعار مختلقة بعد الاسلام ، و هي اشعار مسلمين تمثل اهوائهم و لا علاقة لها بالجاهلية، و ان ما تسمى اشعار امرؤ القيس و طرفة بن العبد و عنترة و غيرها ، انما هي اشعار اختلقها الرواة و القصاص و النحاة او اختراع المفسرين و المحدثين و المتكلمين.
● يقول طه حسين نفسه في كتابة :
ستسالني كيف انتهى بحثي الى هذه النظرية الخطرة ؟ ، و لاجل ان اجيب عليك اجابة مقنعة ، يجب ان اتحدث اليك في طائفة مختلفة من المسائل، و سترى ان هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها الى نتيجة واحدة هي هذه النظرية .
يجب ان احدثك عن الحياة السياسية الداخلية للامة العربية بعد ظهور الاسلام و وقوف حركة الفتح، و مابين الحياة و الشعر من صلة . و يجب ان أحدثك عن حال اولئك الناس الذين غلبوا على امرهم بعد الفتح في فارس و العراق و الشام و الجزيرة و مصر ، و ما بين هذا الحال و ما بين لغة العرب و ادابهم من صلة . و يجب ان احدثك عن نشاة العلوم الدينية و اللغوية و ما بينها و بين اللغة و الادب من صلة ، ثم يجب ان احدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الاسلام، و ما بين هولاء اليهود و بين الادب العربي من صلة . و يجب ان احدثك بعد هذا عن المسيحية و ما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الاسلام، و ما احدثت من تاثير في حياة العرب العقلية و الفكرية و الادبية ، و ما بين هذا كله و بين الادب العربي و الشعر العربي من صلة . ثم يجب ان احدثك عن مؤثرات خارجية سياسية عملت في حياة العرب قبل الاسلام و كان لها تاثير قوي في الشعر العربي الجاهلي و في الشعر العربي الذي انتحل و اضيف الى الجاهلين .
و هذه المباحث التي اشرت اليها ستنتهي كلها الى تلك النظرية التي قدمتها : و هي ان الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي، ليست من الشعر الجاهلي في شيء . و لكني مع ذلك لن اقف عند هذه المباحث ، لاني لم اقف عندها فيما بيني و بين نفسي بل جاوزتها ، و اريد ان اجاوزها معك الى نحو اخر من البحث ، اظنه اقوى دلالة و اكبر حجة من المباحث السابقة ، ذلك هو البحث الفني و اللغوي . و سينتهي بنا هذا البحث( الفني و اللغوي) الى ان هذا الشعر الذي ينسب الى امروء القيس او الى الاعشى او الى غيرهما من الشعراء الجاهلين لا يمكن من الوجهه اللغوية و الفنية ان يكون لهولاء الشعراء . و لا ان يكون قد قيل قبل ان يظهر القران … نعم !
و سينتهي بنا هذا البحث الى نتيجة غريبة . و هي انه لا ينبغي ان يستشهد بهذا الشعر على تفسير القران، و انما ينبغي ان يستشهد بالقران على تفسير هذا الشعر و تأويله .
اريد ان اقول ان هذه الاشعار لا تثبت شيئا و لا تدل على شيء ، و لا ينبغي ان تتخذ وسيلة الى ما اتخذت اليه في علم القران . فهي انما تكلفت و اخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون ان يستشهدوا عليه .
● يقول طه حسين :
و انا اعترف منذ الان بان هذا البحث عسير كل العسر ، و باني اشك شك شديدا في انه قد ينتهي بنا الى نتيجة مرضية ، و مع ذلك سنحاوله.
● يقول طه حسين :
ساسلك في البحث مسلك المحدثين من اصحاب العلم و الفلسفة ، اريد ان اصطنع في الادب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الاشياء ، و الجميع يعلمون بان القاعدة الاساسية في هذا المنهج ان يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، و ان يستقبل بحثه خالي الذهن . و لو ان القدماء فرقوا بين عقولهم و قلوبهم و تناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون بقومية و لل عصبية و لا دين و لا ما يتصل ب هذا كله من الاهواء ، لتركوا لنا ادبا غير الادب الذي نجده بين ايدينا .
● يقول طه حسين :
انا لا انكر حياة الجاهلية بل انكر ان يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . لاني اذا اردت دراسة الحياة الجاهلية فلست اسلك اليها طريق امروء القيس او الاعشى او غيرهم، لاني لا اثق بما ينسب اليهم ، و انما اسلك اليها طريق اخر و هو ادرسها من نص لا يقبل الشك في صحته ، ادرسها من القران ، فالقران اصدق مراءة للعصر الجاهلي . ادرسها من القران ، و من شعر هولاء الشعراء الذين عاصروا النبي و جادلوه، و في شعر الشعراء الذين جاءوا بعده ، ادرسها في الشعر الاموي ، فحياة العرب الجاهلية ظاهرة في شعر الفرزدق و الاخطل اكثر من ظهورها في الشعر الذي ينسب لامروؤ القيس و غيرهم .
● يقول طه حسين :
القران اصدق مراة للحياة الجاهلية . و هذه القضية تبدو غريبة نوعا ما، لكنها بديهية حين تفكر بها قليلا .
فليس من اليسير ان نفهم ان الناس قد عجبوا بالقران حين تليت عليهم اياته، الا ان تكون بينهم و بين القران صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الاثر الفني البديع و بين الذين يعجبون به حين يسمعونه او ينظرون اليه . و ليس من اليسير ان نفهم ان العرب قد قاوموا القران و ناهضوه و جادلوا النبي فيه الا ان يكونوا قد فهموه و وقفوا على اسراره ، و ليس من اليسير بل ليس من الممكن ان نصدق ان القران كان جديد على العرب ، فلو كان كذلك لما فهموه و لا وعوه ، و لا امن به بعضهم و لا ناهضة بعضهم .
● القران اصدق تمثيل للحياة الدينية للعرب قديما من ما يطلق عليه الشعر الجاهلي
● الشعر الجاهلي و اللغة
يقول طه حسين :
ان ابلغ اثبات على صحة نظريتنا، و بان الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الدينية و العقلية للعرب الجاهليين، لانه بعيد كل البعد عن اللغة العربية في العصر الذي يزعم بانه قيل فيه .
فالشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ، لان الراي الذي اتفق عليه الرواة بان العرب ينقسمون الى قسمين : قحطانية منازلهم الاولى في اليمن، و عدنانية منازلهم الاولى في الحجاز .
و هم متفقون على ان القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة، و على ان العدنانية اكتسبوا العربية اكتساب و كانوا يتكلمون لغات اخرى العبرانية و الكلدانية . ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الاولى من صدورهم و ثبتت فيها اللغة الثانية المستعارة . و هم متفقون على ان هذه العدنانية المستعربة تتصل بنسبها الى عند اسماعيل بن ابراهيم ، و هم يروون حديثا يتخذونه اساسا لكل هذه النظرية، خلاصته ان اول من تكلم العربية هو اسماعيل .
و على هذا كله يتفق الرواة، لكنهم يتفقون ايضا على شيء اخر ايضا اثبته البحث الحديث ، و هو ان هناك خلاف قويا بين لغة حمير ( العرب العاربة ) و لغة عدنان ( العرب المستعربة)، و قد روي عن ابي عمر بن العلاء انه كان يقول : ما لسان حمير بلساننا و ما لغتهم بلغتنا .
و الحق ان البحث الحديث اثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يتكلم بها الناس في جنوب الجزيرة العربية، و اللغة التي كان يتكلم بها الناس شمال اليمن . و لدينا الان نقوش و نصوص تمكننا من اثبات هذا الخلاف في اللفظ و في قواعد النحو و التصريف، و اذن فلابد من فصل هذه المسألة .
اذا كان ابناء اسماعيل قد تعلموا العربية من اولئك العرب الذي نسميهم العاربة ،فكيف بعد ما تبين اللغة التي كانت يتكلمها العرب العاربة و العرب المستعربة حتى استطاع ابو عمر بن العلاء القول انهما لغتان متمايزتان، و استطاع العلماء في الوقت الحالي ان يثبتوا هذا التمايز بالادلة التي لا تقبل شكا و لا جدالا.
و الامر لا يقف عند هذا الحد ، فمن الواضح جدا لمن له المام بالبحث التاريخي عامة و بدراسة الاساطير و القصص خاصة، ان هذه النظرية( اسماعيل اخذ العربية من جرهم) متكلفة و مصطنعة في عصور متاخرة دعت اليها حاجة دينية او اقتصادية او سياسية . للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما ولكن هذا لا يكفي لصحة وجودهما التاريخي. فضلا عن اثبات القصة التي تحدثنا بقصة هجرة اسماعيل بن ابراهيم الى مكة و نشاة العرب المستعربة .
فنحن نعلم ان حروب شبت بين اليهود المستعربين و بين العرب و انتهت بشيء من المسالمة ، فليس يبعد ان يكون هذا الصلح الذي استقر هو منشا القصة ،التي تجعل العرب و اليهود ابناء عم .
لكن الشيء الذي لاشك فيه ، هو ان ظهور الاسلام و ما كان من الخصومة العنيفة بينه و بين الوثنية عند العرب، قد اقتضى تثبيت الصلة بين الدين الجديد و الديانتين القديمتين اليهود و النصارى .
فاما الصلة الدينية فثابته و واضحة، فبين القران و التوراة و الانجيل اشتراك في الموضوع و الصورة و الغرض، كلها ترمي للتوحيد، و تعتمد على اساس واحد، لكن هذه الصلة الدينية معنوية و عقلية يحسن ان تؤديها صلة اخرى مادية ملموسة.
فما الذي يمنع ان تستغل هذه القصة، قصة القرابة المادية بين العرب العدنانين و اليهود ؟
و قد كانت قريش مستعدة لقبول هذه الاسطورة في القرن السابع الميلادي، فقد كانت تحظى بنهظة سياسية و اقتصادية ضمن لها السيادة على مكة و ما حولها .
اذن امر هذه القصة واضح جدا، فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الاسلام، و استغلها الاسلام لسبب ديني . و قبلتها مكة لسبب ديني و سياسي ، و اذن فيستطيع التاريخ الادبي و اللغوي الا يحفل بها عندما يريد ان يعرف اصل اللغة العربية الفصحى .
و اذن فنستطيع ان نقول بان الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية و اللغة التي كانت تتكلم بها العرب العاربة القحطانية في اليمن ، انما هي كالصلة بين اللغة العربية و اي لغة اخرى سامية .
و ان قصة العرب العاربة و المستعربة و تعلم اسماعيل العربية من جرهم، كلها مجرد اساطير .
و النتيجة لهذا البحث كله تردنا الى الموضوع الاصلي ، و هو ان هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية و لا يمكن ان يكون صحيح ، لاننا نجد بين هولاء الشعراء ممن ينتسبون الى عرب اليمن الى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القران . و التي قال عنها ابو عمرو بن العلاء : ان لغتها مخالفة للغة العرب . و التي اثبت البحث الحديث انها لغة مختلفة عن العربية .
● يقول طه حسين :
القران هو وحده النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ ان يطمئن لصحته و يعتبره مشخصا للعصر الذي تلى فيه ، فاما شعر هولاء الشعراء و خطب هولاء الخطباء و سجع هولاء الساجعين فلا سبيل للثقة بها و لا الى الاطمئنان اليها .
● تحدث طه حسين في فصل من كتابة عن ان الانتحال ليس مقصورا على العرب ، و في فصل عن دور السياسة في انتحال الشعر ، و استعرض الصراع بين مكة و المدينة ، و صراع قريش و الانصار و علاقة الصراع بانتحال الشعر الجاهلي ، و في فصل عن دور الدين في انتحال الشعر .
● ثم تحدث طه حسين في فصل عن امروء القيس و ناقش فيه عن تاريخه و اصله و نسبه و حول عدم وجود اتفاق حول اسمه، و خلص الى انه شخصية مثل هوميروس و ليست حقيقية .
فقد تحدث بان اصل الشاعر يمني و شعره قرشي ، مع ان لغة اليمن مختلفة عن لغة قريش فكيف نظم شعره ، و لا تجد في اشعاره اي معلومة تدل انه يمني.
و تعجب طه حسين من ان اشعار امرؤ القيس لا تتحدث عن خالة الذي كانت له قصة كبيرة . و استغرب طه حسين من قصة ذهابة الى القسطنطينية و عدم وجود ما يدل على تلك الرحلة في اشعاره فلا يكتب عن الروم و لا عن زيارته تلك .
و تحدث عن شعره و اخرج منها قصيدتين، و اوضح مدى ضعف بقية قصائده و الركاكة فيها و الاسفاف و التكلف ، و بان الميزة في اشعاره انه غير منسق و غير مؤتلف ، و ان وحده الموضوع غير موجودة و ان الشخصية الشعرية غير موجودة ايضا. بخلاف الاشعار التي جاءت بعد الاسلام و التي تجد فيها الوحدة موجودة و الشخصية الشعرية واضحه فيه ، و السبب لان كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة و هذا الشعر لا يصلح الا نموذجا لعبث القصاص و الرواة .
● و في فصل تحدث عن عمرو بن كلثوم و الحارث بن حلزة ، و في فصل طرفة بن العبد، و تناول بعض معلومات عن هولاء الشعراء و استعرض بعض نصوص الاشعار و قارنها بنصوص اخرى و حللها و استخلص انها نصوص منتحلة و بعضها تلمس فيها روح اسلام . الخ
—————————————–
تقريبا انتهينا من تقديم خلاصة لكتاب طه حسين، و الان ناتي للسؤال المهم :
هل كان طه حسين مصيب في استنتاجه ؟
اعتقد ان جواب هذا السؤال يحتاج الى بحث شامل و وافي لاهميته الكبيرة، لان هذه القضية التي طرحها طه حسين مازالت براي مطروحة بقوة حتى اليوم، و لا يدرك الكثير ابعادها .
لكن براي الشخصي ……… اعتقد ان طه حسين كان مصيب جدا و بنسبة كبيرة ، بل انه اول شخص نزه القران الكريم من تلك الاشعار التي استخدمت من اجل تفسير القران .
و لا اعرف ما هو الشيء الذي جعلهم يتهمونه بالاساءة للقران و الدين، بالعكس لقد نزه القران بينما هم اساءوا للقران الكريم.
يمكن ان السبب طبيعة الزمن فلم يكن المجتمع ساعتها يالف مثل هذه الموضوعات، و ربما لو عاش طه حسين في عصرنا الحالي و طرح كتابة اليوم لما اثار مثل تلك الضجة …. طبيعة الزمن و طبيعة الافكار السائدة ساعتها في المجتمع هي السبب، بالرغم من ان طه حسين و بلغته الرفيعة و الجميلة كانت مؤدبة جدا .
ما هي النقاط التي اصاب بها طه حسين ؟
● الشعر الجاهلي اشعار مختلقة بعد الاسلام
صائب في كلامه .. لماذا ؟
بالنسبة لي … عندما اقرا اشعار المعلقات السبع، اجد بان عالم و فضاء تلك الاشعار لا يبدو لي له علاقة بقصة و بيئة مكة و زمنها ، لا من قريب و لا من بعيد.
و اشعر بوجود خطاء في مخيلتي المرسومة فيها مكة و بيئتها و زمنها و انا اقرا اشعار المعلقات ، لاني لا اجد اي ارتباط بين فضاء تلك الاشعار و فضاء قصة مكة و زمنها و التي قدمت للمسلم.
لكن طه حسين عنده رأي اقوى …. فهو يقول : ( لو اردت دراسة تلك الاشعار انما اسلك اليها طريق اخر و هو ادرسها من نص لا يقبل الشك في صحته ، ادرسها من القران ، فالقران اصدق مراءة للعصر الجاهلي . ادرسها من القران)
بالفعل … القران اصدق مراة لذلك العصر، اليس القران مرحلة فاصلة بين العصر الجاهلي و الاسلام؟! .
اذن فمن المنطقي ان يكون القران هو النص الذي يمكن من خلاله فهم الحياة الجاهلية ، و لان القران الكريم نص مقدس و هناك عناية فائقة بحفظ النص المقدس، فهو لا يقبل الشك في صحته ابدا . بعكس تلك الاشعار التي ليست نصوص مقدس و لا توجد عناية فائقة و مقدسة بحفظها …..و اما الادعاء بانها كانت تعلق على جدار الكعبة ، ليس الا لاجل منحها قداسة في نفسية المسلم …….. تجعلها بموازة نص القران بل تتعدى القران لفظا و نحوا و قواعد.
و لذلك ……… فمن يقرا مفردات القران و التي كانت لغة فاصلة بين العصر الجاهلي و الاسلامي ، و يقارنها بمفردات تلك الاشعار سيجد بان مفردات القران مختلفة تماما عن تلك اللغة …… بل ان الخطاب العام للقران لا ينتمي ابد للعالم الموجود في اشعار المعلقات السبع.
● القران اصدق تمثيل للحياة الدينية للعرب قديما من ما يطلق عليه الشعر الجاهلي.
كلام منطقي و علمي جدا ، لانه فعلا ….. عندما تطالع الاشعار المعلقات لا تجد فيها اي ملامح للحياة الدينية و الاجتماعية و الفكرية ، فضاء تخيلي من عالم بعيد جدا لا يملك دين و لا تصور روحي ، بينما عندما تقرا القران تجده عالم مختلف جذريا و يتحدث عن عالم و الدين فيه عميق و متواصل و متسلسل و غير منقطع .
لذلك كان الفاصل الزمني بين عالم اشعار الجاهلية و عالم القران، هو من جعل المسلم يعتقد بان الاسلام هبط فجاءة من الفضاء بدون وجود سياق متصل .
و هذا يناقض المنطق و العقل، لانه لا يوجد دين يأتي من فراغ، و لا يوجد دين يظهر فجاءة بدون وجود سياق ديني قديم، و يجد الكثير صعوبة في استيعاب هذه الشيء، بسبب هذا الفاصل الزمني الذي قدم للمسلم بين الجاهلية و الاسلام عبر هذه الاشعار و قصص الجاهلية ، مما جعل البعض ينظر للدين على انه حادثة مفاجئة تهبط ليعتنقه الناس بشكل خاطف ، بينما الدين وعي علوي له سياق قديم متصل و متتابع غير منفصل، و هذا الشيء ايضا لا يستوعبه الكثير من اللادينين و الليبرالين و الباحثين في مقارنة الاديان و الذين يرددون بشكل مستمر لعبارة ان دين سرق من دين اخر ، و كان الموضوع حقوق طبع و براءة اختراع،
او ان الدين فكرة مخترعة .
● القران هو وحده النص العربي القديم الذي يستطيع المؤرخ ان يطمئن لصحته و يعتبره مشخصا للعصر الذي تلى فيه .
اعتقد ان هذا الكلام هو الحقيقة المؤكدة .
القران هو النص العربي الوحيد و الذي يمكن الاطمئنان لصحته و الثقة به لفهم الزمن الجاهلي، و هو النص الوحيد الذي يمكن لنا من خلاله معرفة البيئة و الزمن الذي خرج منه القران … و لا يجب ان تكون تلك الاشعار منطلق لفهم زمن القران … بل اني قد اتعدى فكرة طه حسين بشكل اكبر و اقول حتى السيرة النبوية لا يجب ان تكون مرجع لفهم زمن القران .
● لا ينبغي ان يستشهد بالشعر الجاهلي على تفسير القران، و انما ينبغي ان يستشهد بالقران على تفسير هذا الشعر و تأويله . و لا ينبغي ان تتخذ وسيلة الى ما اتخذت اليه في علم القران . فهي انما تكلفت و اخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون ان يستشهدوا عليه .
صحيح جدا …. لقد لامس طه حسين الجرح ، لان اعتبار هذه الاشعار بزمن قبل القران، و اعطاءها قداسة بقصة تعليقها على جدار الكعبة ، فانما وجدت الا لاجل جعل تلك الاشعار حجة على القران ، و الجميع يعرف كيف ان المفسرين يعتمدون على تلك الاشعار في تفسير القران و معرفة الفاظ القران و قواعد النحو . و الخ .
لقد تم استخدام هذه الاشعار عمدا من اجل جعلها مرجعية للقران … بينما العكس هو الصحيح … القران هو حجة على تلك الاشعار … هذا هو المنطق .
● [ القران اصدق مراة للحياة الجاهلية، لانه ليس من اليسير ان نفهم ان الناس قد عجبوا بالقران حين تليت عليهم اياته، الا ان تكون بينهم و بين القران صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الاثر الفني البديع و بين الذين يعجبون به حين يسمعونه او ينظرون اليه . و ليس من اليسير ان نفهم ان العرب قد قاوموا القران و ناهضوه و جادلوا النبي فيه الا ان يكونوا قد فهموه و وقفوا على اسراره ، و ليس من اليسير بل ليس من الممكن ان نصدق ان القران كان جديد على العرب ، فلو كان كذلك لما فهموه و لا وعوه ، و لا امن به بعضهم و لا ناهضة بعضهم .]
كلام صائب جدا ، و هذه النقطة التي لا يريد ان يستوعبها الكثير رغم انها بديهية لو فكروا بها قليلا .
اولا ….. مادام القران نص فاصل بين الجاهلية و الاسلام ، فهو النص الوحيد الذي يمكن الوثوق به .
ثانيا …… النص الديني المقدس لا يمكن ان ياتي من فراغ و لابد من وجود استعداد قديم في المجتمع لقبول مثل هذا النظام اللغوي للنصوص المقدسة ……. و لابد من وجود سلطة فوقية معرفية داخل المنظومة الثقافية تعي هذا النص و تفهمه و تدركه و تعي قدسيته ….. اي انه ليس نص جديد مفاجىء ظهر للناس و امنوا به بشكل مفاجىء و لا يدركون قيمته الدينية ، اي انه نص جديد و قديم في نفس الوقت في وعي المجتمع.
هذا الشيء يفرض على الناس الاعتناء به و الحافظ عليه ، لابد من عناية فائقة بنقله و حفظه . و هذا هو السبب الذي يجعلنا نعتبر القران المصدر الوحيد الموثوق على ذلك الزمن .
● امروء القيس شخصية افتراضية مثل هوميروس و ليست حقيقية .
اتفق مع طه حسين تماما، و ان كان قارنها بشخصية بعيده جدا و هي هوميروس الغير محسوسة ثقافيا لدينا ، لان ارى ان مقارنتها بشخصيات محلية او شعبية سيكون اكثر استيعاب .
لماذا ؟
اولا … عندما تقرا عن قصة امروء القيس فلا تجدها واضحة في اشعاره، فاشعاره بعيده عن حياته نوعا، ايضا نلاحظ في قصته زواج بين القديم و الحديث بشكل غريب ، و كان حياته وقعت في فترة حديثة .
فمثلا ……… حسب كتب التاريخ امرؤ القيس ذهب الى القسطنطينية و مات في انقره .
انا اجد هذا العالم حديث جدا، فمن حياة البداوة لا يعرف مدن و لا فضاءات مدنية في المنطقة …. و فجاءة حتى القسطنطينية.
بل اني اجد كلمة انقرة كلمة حديثة داخل القصة و كانها كتبت في عهد العثمانين …….لانه في عصر الروم اليونان لم يكن هناك بعد مدينة اسمها انقره.
فكيف ظهرت انقره داخل القصة .. و لماذا يموت هناك تحديدا ؟! ، او السؤال بطريقة اخرى ……………… لماذا كل شيء يتجه نحو القسطنطينية ؟
فاصحاب الكهف في تركيا و سفينة نوح في تركيا و ابراهيم في تركيا و امروء القيس في تركيا ، و كأنه كان هناك غرفة في تركيا و يوجد فيها مؤلفين و كانوا يكتبون كتب و يحاولون ربط المنطقة بجغرافية تركيا الحالية ، اي ربط المنطقة فكريا و دينيا و ثقافيا و ادبيا بتلك الجغرافيا … جغرافيا الروم ….. حتى تكون هي مركز المنطقة .
لو اردت مقاربة شخصية امرو القيس بشخصية اخرى ، فانا اعتقد بان شخصية امرؤ القيس تشابه شخصيتين موجودتين في الثقافة الشعبية في اليمن، و يعرفهما اليمني جيدا .
علي ولد زايد و الحميد بن منصور .
و لمن لا يعرف هذين الشخصين … ف علي ولد زايد و الحميد بن منصور، اشهر حكيمين زراعيين في اليمن، و يتداول حكمهما في الريف اليمني بشكل كبير ………… و قد كتب عنهما الكثير من البحوث و الدراسات ، حول حقيقتهما و زمنهما و قصصهما و اشعارهما و ميلادهما و الخ .
اشعار علي ولد زايد يتم تداولها في مناطق معينة في اليمن، و اما اشعار الحميد بن منصور فيتم تداولها في مناطق اخرى من اليمن.
لكن عندما تقرا اشعار علي ولد زايد، ستجدها نسخة طبق الاصل من اشعار الحميد بن منصور ……. نفس العبارة و نفس اللغة و نفس المعنى ، لكن الاختلاف بين الاشعار ان الريفين في المناطق التي يتداول فيها اشعار علي ولد زايد يقولون …. (يقول علي ولد زايد) بينما الريفين الذين يتداولون اشعار الحميد بن منصور يقولون … (قال الحميد بن منصور).
مثال
يقول علي ولد زايد : عز القبيلي بلاده و لو تجرع وباها
قال الحميد بن منصور : عز القبيلي بلاده و لو تجرع وباها
اشعار علي ولد زايد و الحميد بن منصور، هي اشعار حكم و قوانين اخلاقية و معاملات في الحياة اليومية و داخل الاسرة و حول الزراعة و مواسم الزراعة و طرق الزراعة .
لكن الغريب في اشعارهما
انه لا يوجد فيها اي ملامح حول الدين و الحياة الدينية او مكة او الحج …….. فلا تجد اي بيت شعري لهما يذكر النبي او يذكر اديان او يذكر مكة او يذكر الحج او يذكر الصلاة او الصوم ……… و تجد في بعض الاحيان وصفين متشابهين لمكانين مختلفين ….. و مع ذلك سكان الريف في اليمن يبجلون هاتين الشخصيتين، و لو قلت لاي ريفي في اليمن خصوصا من كبار السن …. يقول علي ولد زايد او قال الحميد بن منصور، فخلاص … يعتبرها قانون ملزم.
قصص علي ولد زايد و الحميد بن منصور ..عبارة عن فضاء تخيلي مرتبط بالواقع بشكل كبير لكنه يتجاهل بشكل غريب الدين و لا يتحدث عنه …………. و مع ذلك الناس يعتقدون انهما شخصيتين حقيقيتين، بالرغم من انهما يقولان نفس الكلام و نفس الاشعار و يواجهان نفس القصص و لا تعرف لهما مكان او قبر بل روايات فقط . حتى ان المجتمع جعل من تلك الشخصيتين حقيقة لهما فعالية ، فهناك قصص تتحدث عن لقاءات جرت بينهما، عبر قصة زواج بين ابن احدهما و بنت الاخر .
المهم في الموضوع
انا اجد هذه الظاهرة الموجودة في اليمن يمكن دراستها و مقارنتها بشخصيات كثيرة في التاريخ العام للمنطقة .
قد تكون شخصيتي علي ولد زايد و الحميد بن منصور في اليمن ……… لها وظيفة ثقافية في المحيط المحلي،بتعليم الناس مهارات الزراعة و زرع قيم و قوانين اخلاقية عند الناس ، لكني اجد بان وظيفة امرؤ القيس كانت صناعة فضاء تخيلي كبير للمنطقة .
اس صناعة زمن يفصل بين زمنين .. صناعة حد زمني ، صناعة زمن جديد للمنطقة ، صناعة زمن بمسمى العصر الجاهلي ، بل صناعة زمن جديد للقران . نعم!
صناعة زمن جديد للقران … ليس امرؤ القيس فقط بل الامر ينطبق على بقية شعراء الجاهلية بل على الحقبة الجاهلية ….. بدليل انه تم ربط قصة هولاء الشعراء بنوع من القداسة …….. عبر قصة تعليق أشعارهم بجدار الكعبة ……… لمنح قداسة على تلك النصوص الشعرية و قصص اولئك الشعراء و زمنهم .
● [ الميزة في اشعار الجاهلي بانه غير منسق و غير مؤتلف ، و ان الوحده غير موجودة و ان الشخصية الشعرية غير موجودة ايضا. بخلاف الاشعار التي جاءت بعد الاسلام و التي تجد فيها الوحدة موجودة و الشخصية الشعرية واضحه فيه ، و السبب لان كثرة هذا الشعر منتحلة مصطنعة و هذا الشعر لا يصلح الا نموذجا لعبث القصاص و الرواة . ]
اتفق تماما مع طه حسين … مع اني لست ناقد ادبي حتى اقارن نفسي بطه حسين و اضع نفسي مقابل له حتى اتفق معه ، لكن باعتباري قارىء عادي جدا يقرا تلك الاشعار ، و متذوق فقط.
لان الحقيقة ……… عندما اقرا تلك الاشعار الجاهلية اجد فعلا الشخصية الشعرية غير موجودة ، الوحدة الشعرية مختفية ، و تشعر بعدم وجود وحده في القصيدة … وحده فكرية او نفسية او فكرية ….. تحس بانه ليس هناك نفس واحد في القصيدة … لا تشعر بان عقلية واحدة من كتبت تلك الاشعار.
لذلك نجد بان الكثير يجدون صعوبة بالغة في فهما و في حفظها ايضا . تشعر و كان كل بيتين مختلفين عن الابيات بعدها …. و كان مجموعة من الاشخاص من كتبوا تلك القصائد .
مع انه لا يمنع من كون البيت الواحد في القصيدة جميلا، لكن لا علاقة له بما بعده من الابيات. بعكس الاشعار الاخرى ، فتجد الوحدة موجوده و الشخصية الشعرية ظاهرة جدا … تشعر بان شخص واحد من كتب القصيدة.
● تبقى نقطة اخيرة و ملاحظة هامة و التي تجعلني اتفق مع طه حسين حول اشعار المعلقات و الشعر الجاهلي و بانها اشعار مختلقة في فترة زمنية بعد القران ، و هذه الملاحظة هي:
كيف ان هذه الاشعار لا تجد لها علاقة بالحواضر المدنية في المنطقة ……. لا يعيشون فيها رغم انهم ينتقلون و يترحلون و يسافرون و يقطعون مسافات شاسعة، لكن لا وجود لذكر المدن و الحواضر الموجودة في المنطقة .
فمثلا …….. اليست السيرة النبوية تذكر صنعاء، و بان جد النبي ذهب صنعاء لزيارة سيف بن ذي يزن ، لكن لا تجد اي ذكر لمدينة صنعاء في اشعار المعلقات …. مختفية تماما … ليست صنعاء فقط بل بقية المدن الاخرى في المنطقة ، مختفية و غائبة و غير معروفة لدى هؤلاء الشعراء.
فهم يسافرون الى القسطنطينية و انقره و روما و فارس و الحيرة لكن لا يسافرون الى بغداد او دمشق او حلب او اي مدينة اخرى مرتبطة بنا حتى اليوم .
اين هي مدن و حواضر المنطقة ؟
عالم مطموس تماما … عالم لا يوجد فيه اثاث المنطقة … فضاء فارغ تماما من اثاث المنطقة … مختفي الاثاث … وحده اثاث روما و فارس يشغل هذا الفضاء .
ايضا لا وجود في قصص هولاء الشعراء و لا في اشعارهم اي ذكر او اشارة او تلميح للمعالم العمرانية القديمة و الشهيرة الموجودة في المنطقة حتى اليوم.
فضاء خيالي و غير مرتبط بالواقع .
و هناك ملاحظة هي الاهم و الاكبر بالنسبة لي.
لا تجد في تلك الاشعار او في قصص هولاء الشعراء اي ذكر لمصر ، فمصر مختفية بشكل واضح و مريب ابدا، هولاء الشعراء يسافرون الى القسطنطينية و الى الحيرة و فارس و غيرها و الى كل مكان، لكن لا يقتربون من مصر او اي مكان فيها، و لا يوجد حتى تلميح عنها، لا يوجد داخل القصص او الاشعار اي ذكر لمصر .. مختفية تماما … و كان مصر غير موجودة في العالم … بالرغم من ان مصر حاضرة قديمة جدا في المنطقة ، و مركز هام في المنطقة ، و مع ذلك غائبة تماما.
الامر غير منطقي ابدا ……. و كأنه وعي واحد من رسم القصة كلها، لان هذه الملاحظة التي ذكرتها، اجدها واضحة جدا في معظم التراث الذي وصل لنا ، تجاهل مريب و غير طبيعي لمصر و عالمها، بينما معظم تركيز التاريخ السياسي للروم و اليونان الذي وصل لنا منصب نحو مصر …. كأول نقطة في المنطقة .
ايضا … هناك الاهرامات … هذا الصروح الضخمة . مختفية تماما في اشعار المعلقات و قصصها ، فهولاء الشعراء يسافرون الى كل مكان لكن لا يذكرون اي معلومة عن الاهرامات .
هذه الملاحظة تجعلني مقتنع تمام الاقتناع ، بان هولاء الشعراء شخصيات تخيلية و قصصهم و اشعارهم مختلقة في فترة زمنية، اما الوظيفة الاساسية لهولاء الشعراء …… فهي قد تكون وظيفة ادبية و جمالية مثل ما هو موجود عند بقية الشعوب كما قال طه حسين، لكن هناك احتمال كبير جدا بانها مختلقة عمدا لصناعة زمن وهمي للقران و المنطقة .
.
.
.
———————
هذه هي النقاط التي نتفق بها مع طه حسين ، و هذه هي الاسباب التي تجعلنا نتفق معها بشكل كبير .
لكن الحقيقة
هناك نقاط اخرى تحدث بها طه حسين في كتابة ، و لا نتفق معه حولها اطلاقا، و السبب هناك دلائل مادية تنفي تماما تلك النقاط التي اعتمدها طه حسين في منهجه ………… بل انه وقع في اخطاء ، و لا يجب ان يخطىء هو بها لكونه متخصص في الادب و اللغة العربية ، و نعتقد بان السبب هو في وجود خلل في بعض اجزاء المنهج الذي اعتمده طه حسين ……. لا اقول كل المنهج خاطىء، بل اجزاء من المنهج خاطئة ، فربما لو عاش طه حسين الى اليوم سيكتشف بنفسه اماكن الخلل في منهجه .
ما هي تلك النقاط ، و اين يكمن الخطأ في المنهج الذي اعتمده طه حسين ؟
يتبع
