
2025-12-23T23:30:00-08:00
في كثير من مقالاتنا، دائما ما نركز في مسالة التفكير المتدرج في الموضوعات، مع الاخطاء و المراجعات و التعلم ، و هذا الاسلوب في الطرح هو اسلوب يكاد يكون غائب في المشهد المعرفي لدينا عند طرح القضايا و الموضوعات، و هذا الغياب هو الذي يفسر اسباب كون الجمهور يتوقف عند النتائج التي يقراءها و يتعصب لها و لا يستطيع ان يكون مشارك و مساهم في البحث و استخلاص نتائج جديدة و مختلفة ، حتى و ان كان الجمهور من فئة الغزير في القراءة و الاطلاع .
الحقيقة لا ندعي من خلال حديثنا الان او في موضوعاتنا السابقة اننا نملك التفكير السليم، لكننا نقدم مراحل متدرجة من تفكيرنا بالموضوعات، او نقدم خلاصة تجربة بحثية ، و هو شيء يجب ان يدرك القارىء اهميتة، و اسباب حديثنا حوله، و لا يجب ان يتحسس المتابعين لنا من طرح هذا الشيء، او يعتقد باننا نحاول ابراز عضلات، ف نحن نحاول ان نجعلك تركز على اسلوب التفكير ، و نقدم لك خلاصة جاهزة، تختصر عليك جهد و وقت .
لان التفكير عبارة عن مهارة، يصقل بالممارسة و التجربة، و لا يأتي من خلال القراءة و الاطلاع كما هو شائع لدى الكثير، فكون الشخص يملك ثقافة و اطلاع كبير ، لا يعني انه يجيد التفكير السليم و التحليل المنطقي.
و لذلك فالقراءة و المعرفة و الثقافة شيء ، و التفكير شيء اخر ، و لا يتكون التفكير السليم من كمية المعرفة و الاطلاع ، بل من الممارسة و التدريب.
الان .. لماذا الجمل موطنه الاول ما بين عمان و اليمن، و الخيل موطنه الاول شمال افريقيا ( مصر شمال السودان ليبيا تونس الحزائر المغرب موروتانيا )
قد يتساءك البعض عن اهمية طرح مثل هذا الموضوع من ضمن الموضوعات التي نطرحها حول القران و التاريخ و الخ، و الحقيقة ان اي موضوع معرفي مفيد مهما كان، و سيفيد يوما في عملية البحث في مكان اخر، و ايضا في التفكير في الموضوعات الاخرى، لكن اهميتة الان انها محاولة معالجة اسئلة صعبة وجهتنا في فهم القران و التاريخ ، تطلبت منا طرح مثل هذه الاسئلة للوصول الى نتيجة يمكن عبرها البحث حولها .
كيف ؟
نحن عندما ننظر للواقع من حولنا اليوم ، في قريتنا او في منطقتنا او في دولنا او في محيطنا، نحس و كاننا ظهرنا فجاءة في هذا العالم و لا نفهم اسباب هذا الواقع، هناك الوان عظة و اشكال عدة و لغات عدة و حيوانات و اثار ، و فجاءة وجدنا انفسنا امام هذا الواقع و لا نفهم الاسباب التي انتجت ذلك، و نجد صعوبة في التفسير ، و لذلك نلجاء الى التفسيرات البسيطة و السهلة و الغير الصحيحة التي تقدم لنا، و التي ممكن ان تجعلنا نتصادم مع هذا الواقع، لاننا لم نفهم سياق هذا الواقع.
السبب …. ….لان سرعة حركة الواقع ليست نفس سرعة حركة التفكير، فالواقع حركته بطيئة جدا بينما التفكير حركته سريعة ممكن تختصر المخيلة عصور و قرون في الارض بغمضة العين، فنعتقد بان الواقع تشكل نتيجة ٣٠٠ سنة او ٥٠٠ سنة او ١٠٠٠ سنة ، او نتيجة حدث و تغير الواقع سريعا نتيجة هذا الحدث
الواقع الذي حولنا مع استثناءات قليلة، لم يتشكل بيوم و ليلة و بغمضة عين، ، بل تشكل نتيجة تراكم رحلة قديمة جدا و جرت بحركة بطيئة في الارض على مدى الالاف السنين ، فانتج اماكن ذات واقع مختلف عن اماكن لها واقع اخر.
و لذلك … و من خلال ادراك هذا الشيء ، سنعرف ايضا عمر الظواهر بشكل تقريبي و الاسبقية الزمنية من خلال دراسة حركة الظاهرة من نشاتها الاولى.
و هذا هو سبب طرحنا لهذا الموضوع.
كيف ؟
طرحنا في صفحتنا سؤال يفرض نفسه بقوة :
لماذا الكتابة القديمة في مصر لم تسجل اي ذكر لحيوان الجمل ، فلم نرى اي رمز لهذا الحيوان في رموز الكتابة في مصر، و لم نجد رسمة لهذا الحيوان، و لم نجد تمثال لهذا الحيوان ، بالرغم من ان هذا الحيوان من اشهر الحيوانات التي تتواجد في المنطقة، و لذاك الكثير من المتابعين لم يستوعبوا اهمية هذا السؤال، و سبب الاستغراب، لان هذا الغياب الواضح يبدو و كأن هذا الحيوان لم يكن قد تواجد بعد في المنطقة او في مصر او في افريقيا.
حتى ان ما تسمى رحلة حتشبسوت الى بلاد بونت و التي قيل بانها يمكن ان تكون في القرن الافريقي او في جنوب اليمن ، سجلت فيها حيوانات تلك البلاد و لم تذكر ابدا وجود حيوان الجمل، بالرغم من ان الجمل يعتبر اهم حيوان في القرن الافريقي و ما بين عمان و اليمن.
المصادفة الغريبة … ان حديثنا عن غياب حيوان الجمل في الكتابة المصرية ، متعلق ايضا قصة رحلة حتشبسوت، فهي الرحلة الاشهر التي سجلت حبوانات بلاد اخرى، و المصادفة الغريبة، ان تلك الرحلة قيل بانها الى المكان الذي يعتقد بانه كان الموطن الاول للجمل و لم يظهر الجمل في تلك الرحلة .
صدفة ، ام ليست متعمد ؟
الحقيقة لا اعرف ، ما سر هذه الصدفة
لكن جواب ذلك السؤال حول اسباب غياب ذكر حيوان الجمل في كتابة مصر القديمة ، يسفك امامنا تاريخ مخفي و الغاز كثيرة ،و هذا الشيء سيكون مفيد في فهم خطاب القران الكريم اكثر و اكثر.
لذلك كان علينا ان نضع عدة مقترحات تفسر اسباب ذلك الغياب، و البحث بعدها عن اي واحد من المقترحات سيكون هو الاقوى احتمال .
المهم ان كل المقترحات التي طرحناها ، عملية الوصول الى ما يؤكدها، تحتاج مننا طرح سؤال مهم : ما هو الموطن الاول للجمل، و كيف نستطيع الوصول لمكان الموطن الاول للجمل حتى بشكل تقريبي من خلال ادواتنا الخاصة ؟
لماذا هذا السؤال هام ؟
لان فهم الموطن الاول . سيفسر حركة تاريخ هذا الحيوان و الانسان معا، و كيف حدثت هذه الحركة و كم عمرها بالتوازي مع زمن تلك القصص المدونة في كتابة مصر القديمة، و سيفهم اسباب عمر مجتمعات التي اعتمدت على هذا الحيوان .
اذن ما هي الادوات التي توصلنا للجواب ؟
الحقيقة من مدة قديمة ، كانت تحيرني ظاهرة عدم وجود قطعان الخيل في سافانا افريقيا، و كنت استغرب لماذا افريقيا موطن جميع الحيوانات لم تحتفظ بوجود لهذا الحيوان في السافانا ، و تكون من ضمن قطعان الحمير الوحشي و البقر الوحشي و الغزلان الخ.
الغريب ان افريقيا قررت الاحتفاظ بابن عم الخيل و هو الحمير الوحشي ، و المصادفة ان ابن العم هذا لا يمكن ترويضه، و كان حيوانات افريقيا ترفض الترويض، لذلك منعت الخيل من التواجد .
و عندما كنت افكر بالامر، انتبهت ان افريقيا تحتفظ بالخيل و لكن في شمالها ، في ظاهرة ملفتة فعلا .
فعلا .. الخيل يتواجد في شمال افريقيا ، او شمال الصحراء ، من مصر و السودان و ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب و موروتانيا .
فعلا …….. ففي منطقتنا لا يوجد مجتمع واضح امامنا و هو متعلق بالخيل مثل شمال افريقيا، اما بقية المنطقة فالارتباط بالخيل هو ارتباطات فردية او هواية من قبل اشخاص، بينما في شمال افريقيا الخيل ثقافة و متجذر في مجتمع كبير …. ليس هذا فقط ، بل ان منطقة شمال افريقيا هي أفضل مكان لتواجد الخيل، بعكس بقية المنطقة.
لذلك عندما ترى شيوخ في الخليج يربون الخيل و معاهم اسطبلات ، فلا يعني ذلك بان الخليج ثقافة هناك و تاريخ قديم، بل هو هواية و مرتبط بالمال الذي وفر امكانية شراء خيول .
بل ان المنطقة الواقعة من الخليج حتى مكة … ليست مكان مناسب للخيل، و لا يمكن ان يعيش الخيل فيها قديما، و ما كنت تقرأه في كتب السيرة النبوية و ما كنت تشاهدة من قصص و افلام اسلامية من فلم الرسالة و قصص الصحابة، حول تواجد الخيل في مكة قبل ١٤٠٠ سنة، و حول معارك و غزوات على ظهر الخيول، كله هراء و اكاذيب لا اساس لها من الصحة .
فالخيل يحتاج مراعي غنية بالعشب، و لا يتوفر ذلك الشيء في مكة و تلك المنطقة الصحراوية ، و الخيل لا يتحمل تلك الحرارة الشديدة في ذلك المكان، لكن حاليا اصبح بالامكان توفير بيئة لها لاجل الزينة و المسابقات، و ليس كل شيء عنده امكانية توطينها.
لذلك فمشهد حمزة بن عبد المطلب في فلم الرسالة ، و هو قادم فوق الخيل و متوجه نحو ابوجهل لضربه ، و هو يقول له : ردها الي ان استطعت، هو مشهد مضحك و ساخر 😂، و ليس واقعي ، فمن الاستحالة كانت تواجد الخيل في مكة .
مذا ياكل في مكة ؟
اشجار شوكية ؟
لا يستطيع ، فتلك المنطقة لا يتوفر فيها الا الاشجار الشوكية، و التي لا تناسب الخيل و لا يوجد حيوان يستطيع العيش هناك الا الجمل، الذي يمكن ان ياكل شوك و اشجار اخرى .
لذلك كان من المفروض مسح الخيل من قصة مكة، و جعل القصة كلها جمال فقط😂، و كان يجب ان يركب حمزة جمل و ليس خيل .
لهذا السبب ، لا تجد الخيل متواجد في المنطقة القريبة تحت شمال افريقيا، عند مجتمع الطوارق الملثمين ، لان الخيل غير مناسب في بيئتهم،و حيوان الجمل هو الافضل في تلك البيئة و الانسب، و بيئة مجتمع الطوارق هي نفس بيئة الخليج.
المهم … تواجد الخيل في شمال افريقيا، ليس نشاط فردي و ليس بسبب نشاط اقتصادي ، بل هو تواجد مرتبط بنشاط المجتمع، يدخل في صميم تواجدهم في ذلك المكان منذ القدم، معتمد على اقتصاد غير اقتصاد الخيل، فالخيل زينة و علاقة ارتباط بين الخيل و الانسان.
و لذلك تجد في شمال افريقيا .. الخيل يظهر بكامل زينته، و هناك مسابقات لها، و هناك الخيل يرقص على المزمار و الطبل، و الخيل يملك قصص و اشعار في الموروث الشعبي، و هناك مهارة في ركوبه، و هناك قوة و جمال فريد في الخيول و الوانها و تناسق كببر في جسم الخيل.
ظاهرة الخيول في شمال افريقيا لم تكن لتظهر اليوم في واقعنا، الا لانها نتاج ظاهرة قديمة، تحركت منذ قديم الزمان ببطء و على مدى حقبة زمنية كبيرة جدا على طول شمال افريقيا، لمجتمع تفاعل مع الخيل و انتشر على طول تلك المساحة و نتيجة ذلك ظهر امام واقع الخيول في شمال افريقيا .
و من هذا المنطلق … و بالنظر لارتباط المجتمع بالخيل ثقافيا و فنيا و ادبيا ، و ظهور ذلك الجمال و القوة و التناسق فيها … سيكون منطقي ان شمال افريقيا هو الموطن الاول للخيل.
هذا بخصوص الخيل ، اما الجمل ، فتقريبا البحث يتطلب مثل تلك الحالة .
صحيح انك تجد مجتمعات في المنطقة تربى الجمال و تعتبر مصدر غذاء و حليب و مال، و الجمال تتواجد بكثافة في بيئتهم ، لكن هناك شيء ناقص يجعلك لا تضعها ك مكان الموطن الاول للجمال، و لذلك طرحنا سؤال في صفحتنا عن ما هو المجتمع الذي تحسه مرتبط بالجمال في المنطقة اكثر من غيرة .
كيف ؟
لو فكرت في المناطق التي يتواجد فيها الجمال، سيكون في بالك الخليخ و الصحراء الكبرى و تشاد و السودان و الصومال .
صح ؟
يعجبني منظر الطوارق و هم يركبون الجمال، مميزون في ركوبهم و لباسهم، لكن لا استطيع اعتبار الامر ترشح ذلك المكان الموطن الاول للجمل .
لانك اذا نظرت للامر ، ستجد بان العلاقة بين تلك المناطق و الجمال هي علاقة احتياج بسبب طبيعة المكان القاسية التي احتاجت الجمل، و مع الوقت اصبح الاحتياج ارتباط قوي ، لكن لا يصل لمستوى القياس الذي نريده لاعتبارها المكان الاول.
بجانب ان هناك حالات ل احتياج اقتصادي ، لاجل المال ، و مثل هذه الحالة لا تمثل لدينا حالة تعبر عن موطن اول .
نحتاج الى حالة مختلفة لمجتمع،تكون اعمق و تمثل حالة وجدانية ، لان الموطن الاول يفرض حالة مختلفة جدا ، حالة لا تمثل لديهم عملية احتياج للجنل، بل تمثل حالة وجدانية مختلفة، حالة تشعرك بانه هو الجمل مرتبطين منذ القدم كاول مكان .
لو فتشت عن مكان بمثل تلك المواصفات، فلن تجد مكان يملك حالة فريدة الا المنطقة بين عمان و اليمن.
تلك المنطقة تعتبر بمثابة جنة بكل معنى الكلمة ، ماء و خضار و جبال و وديان و اشجار و غابات ، و لا تعتبر بيئة قاسية لتجعل سكانها يحتاجون الى حيوان يتحملها.
فلماذا ارتبطت سكان تلك المنطقة بين عمان و اليمن بالجمل ، المفروض مرتبطين بالابقار مثل سويسرا، او بالاغنام مثل اسبانيا، لكن مرتبطين بالجمل .
فتلك المنطقة بدل ان يكونوا مزارعين … اصبحوا رعاة ، و ليس رعاة ابقار، بل جمال، ليس هذا بل ان تلك المنطقة تملك تقليد سنوي يعتبر مثل الحدث الكبير المنتظر و العيد و هو نقل الجمال من مكان الى اخر في موسم الخريف.
سكان تلك المنطقة ايضا …. يملكون فنون شعرية و غنائية خرجت من حيوان الجمل، بل تجد رقصاتهم الشعبية تشبه تماما مشية الجمال و يتخذ جسدهم شكل الجمل اثناء الرقص .
بل ان الرعاة يتكلمون مع الجمال و تفهمهم و بطريقة غريبة .
حتى انهم يسمون الجمل باسم منطقتهم ( مهريت) ، و اعتقد بان هذا الاسم يطلق في بعض الدول على سباق الجمال ( سباق المهاري )
و من هذه العلاقة ، و من منطلق ان الجمل يسمى باسم ناقة ، و ربما هي من جعلت اشخاص يضعون قصة النبي صالح في تلك المنطقة ، بسبب الناقة، و كان الناقة قد خلقت هناك ، لذلك كانت قصة النبي صالح هناك.
و لهذه الاسباب … فهذا المكان هو الموطن الاول للجمل .
الان …… لو بحثت عن دراسات علمية ، ستجد انه يتفق مع منطقنا، بكون الموطن الاول للخيل في شمال افريقيا و الموطن الاول للجمل في جنوب الجزيرة .
الان كيف سنفهم التاريخ الغائب فيه الجمل ؟
في مقال قادم
