
تحدثنا في الجزء الثالث عن فكرة الشهر و اليوم و السنة في الثقافة الشعبية و هذا رابط الجزء الثالث:
و اليوم سنتحدث عن اعادة قراءة خطاب القران، حتى نعيد تفسيره و نبحث عن اي فهم خاطىء وصل لنا ، و اعاقنا عن ادراك طبيعة السنة المذكورة في القران .
اعتقد اننا لو اردنا البحث حول بنية السنة في القران ، فان اول مكان يجب اعادة قراءته في القران هو :
⚫ السنة
{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين}
لو تعيد قراءة السطور ستجد بان الخطاب لم يقل ( ان عدة الشهور في السنة اثنا عشر شهرا ) ،لكنه قال عدة الشهور فقط .
الان الاسئلة التي تفرض نفسها :
ما الذي يؤكد لي من القران بان السنة تتكون من شهور ؟
بل ما الذي يؤكد لي ان كلمة شهر تعني عدد من الايام ؟
بل ما الذي يؤكد لي بان كلمة شهر تعني مدة زمنية ؟
فقد تكون كلمة شهر تعني شيء اخر .
عندما نبحث عن كلمة شهر في القران ، سنجد مواضع في القران ممكن تقربنا من الجواب .
{ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين}
الخطاب يتحدث بان حمله و فصاله ثلاثون شهر ، ثم عندما يتكلم عن العمر يقول اربعين سنة .
كان الخطاب فعلا يتحدث عن كلمة (الشهر ) كمدة زمنية، و مؤكد بانها مدة زمنية تختلف عن كلمة اخرى في نفس السطر و هي ( سنة ) .
و تشعر من الخطاب بان كلمة (شهر) مدة زمنية اقل عن المدة الزمنية ( سنة ).
و مادام الخطاب يتحدث حول مدتين زمنيتين في سياق واحد، الاولى صغيرة و الاخرى كبيرة ، فعندها تصبح فكرة ان المدة الزمنية الكبيرة مكونة من عدد من مدة زمنية اخرى منطقية ، اي تصبح فكرة ان السنة مكونة من عدد من الشهور منطقية.
اذن ….. تصبح فكرة ان السنة مكونة من ١٢ شهر منطقية و متسقة مع خطاب القران.
الدليل على ذلك
{ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير}
القران يتحدث بنفس الخطاب السابق لكن بكلمات مختلفة ، فهو يتحدث هنا عن مدة زمنية مختلفة و هي ( عام ) ، و على ان فصاله في هذه المدة زمنية هي 2 عام (عامين) .
فاذا كان السطور الاول يتحدث عن مدة زمنية اسمها ( شهر ) و عددها 30 شهر ، و في السطر الثاني يتحدث عن مدة زمنية اخرى لنفس الشيء اسمها ( عام ) و عدد 2 عام .
السطر الاول .. فصاله 30 شهر
السطر الثاني .. فصاله 2 عام
فمؤكد بان العام يتكون من عدد من الشهور .
اعلم بان هذه النتيجة ستدخلنا في مشكلتين :
المشكلة الاولى : ما الفرق بين كلمة ( عام ) و كلمة ( سنة ) ؟
المشكلة الثانية : اذا كان 2 عام يعني 30 شهر ، فهذا يعني بان العام 15 شهر. فكيف سيستقيم معنا اذا مفهوم ان السنة مكونة من 12 شهر ، لانه 30 شهر يعني 2.5 سنة ( سنتين و نص ) .
لكن نحن في هذا المقال لسنا في هذه الجزئية ، ما يهمنا هنا ان فكرة كون الشهر وحدة قياس مدة زمنية و فكرة ان السنة وحدة قياس زمنية اكبر .
⚫ الاشهر الحرم
خطاب القران حدد عدد الشهور ب 12 شهر و منها اربعة حرم .
عندما تتدبر خطاب القران و تعيد قراءته حول هذه الاشهر ، تحس بان الامر ليس مسالة اعتباطية و ليست مسالة مزاجية في تخصيص اربعة اشهر تحت مسمى ( الاشهر الحرم) ، و الا لما كان سماها حرم .
فالقران يقول .. ( ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)
يعني اذا تلاعبت بذلك القانون … فانت سوف تظلم نفسك .
اعتقد بان مفهوم الاشهر الحرم عند المسلم ، لا يملك اي اثر في نفس المسلم، او لنقل كونها اشهر حرم لا تنعكس على واقع المسلم ، حتى نشعر بان اسمها حرم و المسلم يكون فيها بنظام مختلف .
كيف ؟
الاشهر الحرم عند المسلم .. هي الشهور رجب ذو القعدة ذو الحجة محرم ، و هي اشهر غير متتابعة ، لكن سلوك المسلم خلال تلك الاشهر هو نفس السلوك في بقية الاشهر .
قيل للمسلم بان تسمية الاشهر الحرم …. لان العرب قبل الاسلام كانت تعضمها و يحرموا القتال فيها، و عندما جاء الاسلام اقرها و اعتمدها .
و نحن نعتقد ان هذا التفسير كذبة مضحكة ، فالله لا يستورد مفاهيم الدين من البشر ( قريش ) ، هذا الدين القيم.
بدليل ان القران يقول في خطابة ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم )
يوم خلق السماوات و الأرض .. ١٢ شهر منها اربعة حرم .
يعني هذا دين الله القيم .. و ليست من ثقافة قريش او مكة او العرب.
ايضا القران يقول انه في الشهر الحرام قتال ، و لم يحرم الله القتال في الاشهر الحرم حسب قصة مكة .
لكن النقطة الاهم في الموضوع الاربعة الاشهر الحرم، انك تشعر بان القران يتحدث عن اربعة اشهر متتابعة و ليست منفصلة عن بعض .
كيف ؟
{براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4) فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5)}
الأمر ….. فسيحوا في الارض اربعة اشهر
و بعدها ؟
فاذا انسلخ الاشهر الحرم
بمعنى اخر .. الخطاب يتحدث عن الاشهر الحرم من البداية
فسيحوا في الارض الاربعة الاشهر الحرم ، فاذا انسلخ الاشهر الحرم
جملة (فاذا انسلخ الاشهر الحرم ) تعنى نقطة و هي … لا يمكن ان يحدث الانسلاخ الا لو كانت متتابعة و ليست منفصلة عن بعض .
ايضا السطور السابقة تحدثت عن الاشهر الحرم و بنفس الوقت تتحدث عن الحج الاكبر ، و هذا يدل على ان الحج للبيت الحرام لا يكون الا في هذه الاشهر الاربعة من السنة .
و الدليل ؟
{الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب}
الاشهر المعلومات هي الاشهر الحرم .
و لذلك يبدو الامر منطقي … ان الحج عند البيت الحرام سيكون في شهور اسمها الاشهر الحرم .
لكن اذا كان هناك مكان في الارض اسمه البيت الحرام …. فان حرمة هذا ذلك المكان تظل طوال السنة و ليست متعلقة بمدة زمنية ، لكن اذا كانت هناك مدة زمنية في كل مكان في الارض اسمها الحرم ، فان هذه الاشهر سنعكس حرمتها على كل مكان في الارض .
كيف ؟
نحن نعتقد بان الحج الى البيت الحرام في تلك الاشهر الحرم ، لكن هناك حرمة في تلك الشهور في كل الارض و هذا التحريم يتحدث عنه القران بشكل واشح .
{يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون (96) جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم (97)}
جملة ( و انتم حرم ) تعني و انتم في الاشهر الحرم، و لا تعني اثناء الحج .
فالقران لم يقل و انتم في الحج ، لانه ايضا محرم عليك ذلك في الحرم طوال السنة ، لان اسمه الحرم .
ايضا القران يتحدث عن الجزاء مثل ما قتل من النعم ، او هديا بالغ الكعبة او طعام مساكين او صيام .
اذن كونها اشهر حرم .. فحرمتها سينعكس على كل مكان في الارض.
فاذا دخلت الاشهر الحرم .. فانت في بلدك واقع ضمن مدة زمنية حرم.
{يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد}
⚫ تحديد السنة
كان السؤال الصعب : لماذا نحن عندنا صعوبة في فهم السنة و الشهر من خارج حسبة القمر ؟
هل السبب في وجود نص في القران ام انها ثقافة راسخة قديمة و القران تم تحريف معانية لاجل تثبيت معنى مغلوط ؟
الحقيقة لما تتدبر خطاب القران ستتوقف عن سطر قراني تحس و كانه السبب في تحديد السنة بواسطة القمر .
{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون}
قدره منازل .. لتعلموا عدد السنين و الحساب .
كلام واضح جدا … لكن السؤال :
هل هذا هو المعنى ، ام هناك معنى مختلف ؟
المشكلة هي في الإضافة التي تمت على القمر ( قدره منازل ) ، فلو كان الخطاب بهذه الطريقة :
{هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا لتعلموا عدد السنين والحساب }
لكان المعنى واضح ، ان الله جعل الاثنين لمعرفة السنين و الحساب ، لكن تلك الإضافة هي التي اشعرتنا بان معرفة السنين و الحساب بسبب منازل القمر .
ماذا لو كان الخطاب يعني :
ان الله جعل الاثنين ( الشمس ضياء و القمر نورا و قدرة القمر منازل ) لتعلموا عدد السنين و الحساب .
بمعنى اخر .. الله جعل الشمس ضياء و القمر نور و زاد جعل للقمر منازل، حتى نستخدم الاثنين في معرفة السنين و الحساب .
الحقيقة ان هذا التفسير مقنع و يتوافق مع ذلك السطر تماما ، و يزيد يؤكد هذا المعنى هو سطر اخر في القران يقول :
{وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا}
الخطاب واضح جدا .. ان معرفة السنين قائم على حساب اليوم الذي فيه ليل و نهار .
يعني بمعنى اخر …. الخطاب هنا لا يلزمك بالقمر ، بل يلزمك بفكرة اليوم الذي فيه ليل و نهار ، تماما مثل فكرة السنة الشمسية المكونة من ايام و كل يوم فيه ليل و نهار.
لكن و مع ذلك ، اذا اردنا ان نوفق مع السطر السابق ، فكان الخطاب يقول لك : حساب السنة عبر الشمس و الذي يحدده الشروق و القمر له دور في العملية بواسطة المنازل التي قدرها الله له.
يعني .. لا يمكن حساب السنة بالشمس فقط ، و لا بالقمر فقط ، بل بالاثنين معا .
ما هو الدليل الذي يزيد تاكيد ذلك ؟
{و الشمس و القمر بحسبان }
الشمس و القمر بحساب واحد
هذه النتيجة كأنها تقول لنا … ان السنة هي شمسية قمرية .
صح ؟
بمعنى اخر التقويم شمسي قمري، اما مثل ما هو معمول الان هجري و ميلادي ، او مثل التقويم الصيني .
لكن هذا النتيجة ستصطدم بنتيجتنا السابقة التي توصلنا لها ، و هي رفض فكرة التقويم الشمسي القمري .
اذن .. هل يمكن ان يكون هناك حل مختلف ؟
هل يمكن ان يكون هناك تقويم اخر غير التقاويم الموجودة حاليا و نحن لم نعرضه من ضمن الاحتمالات .
اعتقد بان هناك تقويم اخر لم نعرضه من ضمن الخيارات و نحن لم ننتبه له .
ما هو ؟
الجواب .. في الجزء الاخير
