
11/07/2022 17:35:00
هل السامري قد راي شيء حقيقي ام انه كان يتوهم ؟
قصة السامري في التراث ، تقول بان السامري شاهد جبريل ، فقبض قبضة من اثر جبريل و وضعه في وعاء مصهور فيه معدن ، و استطاع بهذه الحركة ان يشكل المعدن بشكل عجل يصدر صوت ، و الصوت الصادر من تمثال العجل نتيجة اثر جبريل ، فاثر جبريل له مفعول سحري ، يمنح المواد سلوك سحري.
الحقيقة ان قصة السامري المذكورة في كتب التراث ، كانت تثير عندي حيرة و غرابة عندما كنت اسمعها و انا صغير ، و كنت نوعا ما أجد صعوبه في تقبلها ، لانها كانت تفرض علي اسئلة وفق منطق ذلك العمر .
كنت اسال نفسي :
لماذا تحققت تلك المعجزة عند ذلك الشخص و لم تصاحب تلك المعجزة الرسول موسى ؟، لانه من المفروض ان موسى من ياتي بالمعجزات و ليس السامري ؟
لماذا موسى رسول الله لم يرى جبريل المرسل من الله ، بينما السامري الشرير هو من راي جبريل ، من المفروض ان موسى اولى من السامري برؤية جبريل .
اليس جبريل ملك من الله
اليس موسى رسول من الله
فلماذا رسول من الله لم يرى ملك من الله ؟
الم يكلم الله موسى ؟ ، فلماذا لم يجعله يرى جبريل ؟
ثم ما هذا العقل الجاحد الذي يرى اية من ايات الله جبريل ، ثم بعدها يرتكب شيء اجرامي ؟ .. من يرى جبريل سيؤمن و يسلم لله ؟
و كيف عرف السامري انه جبريل حتى ياخذ من اثرة ، و كيف عرف ان الاثر سيكون فيه مادة سحرية ؟
اسئلة كثيرة ، كانت ترافقتي و تسبب لي الضيق في الاقتناع بتلك القصة، و مع ذلك لم اكن افكر بانه يمكن ان يكون هناك قصة اخرى غيرها .
لكن مع الوقت ، ادركنا بانه كان هناك مشروع تحريف معاني و قصص القران، فقررنا التخلص من كل ما في كتب التراث، و بدانا البحث عن منهج جديد اثناء تدبر خطاب القران ، و عندما بدانا نستخدم ذلك المنهج ، و جدنا قصة اخرى مختلفة للسامري .
ما هي قصة السامري ؟
{ قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها و كذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس و إن لك موعدا لن تخلفه و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا }
اساس قصة موسى تدور حول الكتاب ، و ( كلمة ) سبقت من الله لعباد الله المرسلين ، و اساس قصة السامري تدور حول تلك الكلمة ، لهذا السبب ارتبط اسم السامري بكلمة ( مساس ) ، و التي ذهب الكثير من المتدبرين للقران الى تفاسير كثيرة بحثا عن معنى لها، و لم يصلوا لادراك البعد الحقيقي ل تلك الكلمة ( مساس ) .
فاذا كان اساس القصة ( كتاب ) و ( كلمة ) سبقت من الله للرسل ، فمن الطبيعي بان السامري له دور في تحريف كلمة في كتاب الله و بدلها الى ( مساس ) .
لماذا ؟
– كلمة سبقت من الله للرسل
{ وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين}
– الكلمة موجودة في اثر موسى
{وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى }
– السامري نبذ الكلمة المكتوبة في اثر الرسول و بدلها بكلمة اخرى
{ قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها و كذلك سولت لي نفسي (96) قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس و إن لك موعدا لن تخلفه و انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا }
– الكلمة في كتاب موسى و اختلف فيها و بدلت
{ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب}
ما معنى ( قال بصرت بما لم يبصروا به ) ؟
الكثير يعتقد بان السامري بقوله هذا ، قد راى شيء حقيقي مادي و لم يراه احد بمن فيهم موسى ، و الحقيقة ليس هذا المعنى .
فكيف يعقل بان السامري سيرى حقيقة اكبر من الحق الذي جاء به موسى، لو راي حقيقة لكان رسول ، و ما بعد الحق من الله و اياته الا الهوى .
{ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ( ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق}
لذلك … فمقولة السامري ( بصرت ) يقصد بها الرؤية المعنوية و ليس الرؤية الحسية ، فالسامري يقول : لقد رايت فكرة و لم يراها احد .
فاذا كان منطق ابليس هو : ( انا خير من الاخر )
فان منطق السامري هو : ( لقد اكتشفت شيء لم يكتشفه احد )
و هذا منطق الكبر و الغرور ، و هو المنطق الذي يتسلل منه الشيطان للانسان ، و ما بعد الحق من الله الا الهوى ، فمن لم يكن هداه من الله ، فالهوى هو الهة و هو يتبع الهوى ، و يعتقد بانه صاحب بصيرة .
{واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}
و منطق السامري تجده دائما من حولنا ، فهناك من ياتيه حق ، لكنه يستكبر و يصيبه الغرور و العجب بالنفس ، و يعتقد بانه قادر على ان ياتي بشيء لم ياتي به احد ، او يرى انه من يجب ان ياتي بشيء لم ياتي به احد ، و يمكن رؤية هذا المنطق في بيت شعر مشهور في التراث للمعري :
( و اني و ان كنت الاخير زمانه ، لات بما لم تأتي به الاوائل )
فاذا كان الله يختار من يشاء من عباده لتبليغ رسالته ، فان السامري يستكبر و يرى انه الاحق ، و يصبح عدو للرسول ، و لذلك يبحث عن شيء اخر يراه انه الحقيقة ، حتى يصبح اول من وجدها غرورا ، و هو يعتقد انه يملك بصيرة كبيرة ، و هو لا يعلم بانه يتبع هواه و ليس الحق ، و يعتقد بانه يتبع الله ، لكن الهوى هو الهة .
و يصف القران شخصية و منطق السامري هنا :
{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون (6) ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ( وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين }
{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون }
{ و من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا و نحشره يوم القيامة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها و كذلك اليوم تنسى (126) و كذلك نجزي من أسرف و لم يؤمن بآيات ربه و لعذاب الآخرة أشد و أبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما و أجل مسمى }
فاذا كان الرسول قد جاء بالحق الذي لم ياتي به احد من قبله ، فان من ياتي بشيء معتقد انه الحق و ان احد لم ياتي به ، فهو ليس الحق بل هو الوهم ( الهوى) الذي جاء من شخص مستكبر و مغرور كاره و عدو للحق.
{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون (113) أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم (115)}
{قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66) مستكبرين به سامرا تهجرون (67) أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74)}
السامري هو الذي تصل له كلمة الله ( سمعنا ) فيبدلها الى ( مساس)
السامري هو الذي تصل له كلمة الله ( سمعنا ) فيبدلها الى ( اسمعونا )
السامري هو الذي تصل له كلمة الله ( سمعنا ) فيبدلها الى ( قطنا )
اذن …… السامري جعل من الرسول عدو ، فانسلخ من ايات الله ، بحثا عن شيء لم ياتي به احد من قبل ، معتقدا بان ما لديه حقيقة و لا يعلم بانه يتبع الهوى و الشيطان قد استحكم عليه و اغواه .
{ و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه أخلد إلى الأرض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }
