
2025-05-21T22:40:00-08:00
بريطانيا و المشكلة الهندية
ساحاول عرض صورة بسيطة للقارىء العربي حول مشكلات الهند، يستطيع القارىء العربي فهم واقع الهند و فهم كثير من الاخبار و الاحداث المرتبطة بها بدون لغة معقدة اكاديمية، و سيكون عرض تلك الصورة بدون الاعتماد على التاريخ الرسمي القديم للهند، حتى لا ندخل في متاهات و تفسيرات احتمالية لسياق الواقع من منطلق تاريخ يحتمل الشك ، فقط سنعتمد على بعض المعلومات التاريخية من التاريخ المعاصر للهند و التي لا يمكن الشك بها او التي الجميع متفق عليها، بجانب اننا سنعتمد على قواعد ثابته في استعراض تلك الصورة للمشكلات.
انا اعتمد على قاعدة ثابته عند قراءتي لواقع اي بلد، و هذه القاعدة تقول : ان اي بلد لابد ان يكون مجتمعها في حالة استقرار و خالي من المشكلات، فالمجتمع طوال استيطانية في الارض من زمن بعيد يسعي لخلق حالة استقرار و اتفاق داخلي، و طوال مدة استيطانة قد عالج كل المشكلات الداخلية و وصل لحالة اتزان مع الطبيعة من حوله، تماما مثل بقية الحيوانات الموجودة في اي الارض.
من نتائج هذه القاعدة عدة نقاط ، من بينها ان اي مشكلة او ازمة داخل اي مجتمع، فهي بسبب عامل خارجي و ليس بسبب عامل داخلي.
لذلك .. نحن نعتقد بان مشكلات الهند الحالية لم تكن نتيجة عامل داخلي ، بل عامل خارجي يتمثل بالاحتلال البريطاني القادم من الخارج، و الذي هو السبب الرئيسي للمشكلة الهندية.
كيف ؟
استطيع ان اقول بان مشكلات الهند حاليا تنحصر في ثلاثة اشياء، و هي : التاريخ و الدين و الارض ، و هذه المشكلات هي التي جعلتها لا تصل لنموذج الصين حاليا و التي تشبهها من حيث حجم المساحة و حجم الكثافة السكانية.
■ التاريخ
تقريبا الهند مازالت تعاني من مشكلة كتابة التاريخ الرسمي، و تظهر هذه المشكلة بشكل واضح لديك عندما تعلم بان الهند حذفت جزء من تاريخ الهند من المناهج التعليمية الرسمية ، و ذلك الجزء هو فترة حكم المغول للهند بملوكها و اثارها و اعمالها ، و المغول هم الذين ينسب لهم السبب في دخول الاسلام الى الهند.
الهند تعتبر تلك الفترة التاريخية لا تمثل تاريخ خاص بالهند، بل هو تاريخ غزاة دخلوا الهند و حكموها و هم ليسوا من سكان الهند، لكن هذه هذه النظرة الاقصائية سببت مشكلة عند المسلمين في الهند، الذي اعتبروا هذه الخطوة محاولة طمس تاريخ الاسلام و تاريخ المسلمين في الهند، و اعتبار المسلمين في الهند ليسوا من سكان الهند و عدم الاعتراف بهم كجزء من مكونات الهند .
هذا الشيء يجعل هناك سؤال مطروح دائمآ في الهند ، من هو الهندي ؟، و هذا السؤال هو سبب مشكلة الهوية في الهند.
ربما الكثير لا يعلم ان المسلمين في الهند ليسوا اقلية ، فعدد المسلمين في الهند كبير جدا، تقريبا ٣٠٠ مليون، و لولا تقسيم الهند ، لكان عدد المسلمين في الهند يصل الى ٨٠٠ مليون شخص.
هذا الرقم الكبير في الهند ينظر له بانه مكون غير هندي اصلي، لانه عندما قامت بريطانيا بتقسيم الهند قسمتها على اساس ديني مسلم و هندوسي، و المسلم يجب ان ينتمي لباكستان ، و الهند يجب ان تكون هندوسية ، و عندها يصبح المسلم في بلاد الهندوس مكون غير اصلي، او لا يمثل هوية الهند الذي حددها التقسيم.
لذلك تجد الهندوس في الهند ينظرون الى المسلمين على انهم ليسوا هنود اصليين، فالهند هويتها هندوسية و الارض هندوسية .
فتخيل عدد ٣٠٠ مليون شخص في الهند ، يماثل تعداد دولة مصر و الجزائر و المغرب و اليمن و سوريا و العراق ، لا يشكلون هوية الهند الهندوسية.
تقريبا مشكلة المسلم في الهند تشبه مشكلة المسلم في دول المنطقة، لكن واقع المسلم في المنطقة مختلف عن واقعه في الهند، لكن ربما مع الوقت ستصل الى نفس مشكلة الهند، و السبب التاريخ .
كيف ؟
مصر قبطية و الاسلام دخل لها عبر الفتوحات
فلسطين يهودية و الاسلام دخل لها عبر الفتوحات
و كذلك الهند نفس القصة ،
الهند هندوسية و الاسلام دخل لها عبر فتوحات المغول .
لذلك نحن نعتقد ان هذه المشكلة من صناعة بريطانيا، و نحن نعتقد ان بريطانيا عندما احتلت شبة القارة الهندية هي من كتبت التاريخ الرسمي للهند، لاجل صناعة هذه المشكلة التاريخية و ازمة الهوية في عقل و نفسية الانسان هناك .
نحن نعتقد ان تاريخ الاسلام في الهند ليس حسب ما قدم لنا في التاريخ الرسمي، تاريخ الاسلام في الهند قديم جدا، لكن بريطانيا في فترة تفوقها العسكري و العلمي و اثناء اختراع الطابعة كتبوا تاريخ مزيف تفسر اسباب تواجد هذا العدد الضخم من المسلمين في الهند، و اعتبار ذلك العدد نتيجة دخول المغول الهند قبل ٥٠٠ سنة، و المغول هم من ادخلوا الاسلام للهند .
لو عملت مقارنة بين السيخية و الاسلام في الهند حسب التاريخ الذي كتب ، ستجد ان عمر الديانة السيخية في الهند تقريبا ٥٠٠ سنة ، و عمر الاسلام في الهند تقريبا ٥٠٠ سنة ، لكن العجيب ان عدد السيخ في الهند تقريبا ٢٠ مليون و عدد المسلمين في القارة الهندية يصل الى اكثر من ٨٠٠ مليون شخص، فهل يعقل ان هذا التعداد المهول للمسلمين في الهند نتيجة ٥٠٠ سنة ، فهذا العمر جعل عدد السيخ في الهند ٢٠ مليون، اي انه كان من المفروض ان عدد المسلمين في الهند هو ٢٠ مليون شخص .
لكن قد يقال بان هذا العدد بسبب ان المغول فرضوا الاسلام بالقوة في الهند، مما جعل العدد يصل الى هذا الرقم .
لكن لديك نموذج اخر لا يشترط ان العنف سبب في زيادة اعداد معتنقي الاسلام، فمثلا لديك اندنوسيا اكبر بلد اسلامي، و تعداد المسلمين فيه ٢٥٠ مليون، لكن الاسلام دخل لهم حسب التاريخ المتداول قبل ٤٠٠ سنة و دخل لهم عبر التبشير و ليست فتوحات او عبر القوة. .
اذن …….. لا يمكن جعل العنف تفسير نهائي لهذه الاعداد الضخمة للمسلمين في الهند، لذلك نحن نعتقد ان هذا العدد نتيجة تاريخ قديم جدا للاسلام في الهند، اي ان عمر الاسلام في الهند ليس ٥٠٠ سنة ، بل اقدم بكثير و هذه النتيجة تنفي فكرة ان الاسلام دخل عبر فتوحات المغول، مما يعني بان ذلك التاريخ للمغول يبدو تاريخ مختلق لخلق ازمة هوية في الهند، و لا توجد جهة يمكن ان ننسب لها هذه الاختلاق الا الاحتلال البريطاني، فهو المستفيد الاكبر و كان يملك كل الادوات لصناعة ذلك التاريخ .
■ الدين
تقريبا تتمثل مشكلات الدين في الهند بنقطتين ، النقطة الاولى الصراع الديني، و النقطة الثانية الدين نفسه .
– الصراع الديني
اعتقد ان الكثير من سكان المنطقة عندما يريدون ان يضربوا نموذج جيد و مثالي على التعايش الديني يذهبون للهند التي توجد فيها اديان كثيرة و بدون نزاعات بعكس واقع المنطقة. صح ؟
لكني اعتقد ان تلك المقارنة غير صحيحة، لان عدم التعايش الديني في منطقتنا سببه قرار قوى سياسية و ليست حالة مجتمع ، و ايضا النموذج الهندي غير صحيح، فمازالت الهند تعاني من مشكلات قادمة من الدين.
كيف ؟
الدولة تستطيع ان تلزم مجتمع بالتعايش بسن قوانين و عبر القوة، لكن لا يمكن ان يكون هناك تعايش حقيقي سليم الا باتفاق المجتمع نفسه على التعايش و الاعتراف بالاخر ، لانه ما ان تغيب الدولة يمكن ان يحدث نزاع طائفي .
مازال هناك تاريخ سيء بين الاسلام و الهندوسية في الهند، و لم يتم معالجته،لذلك مازال الاحتقان الطائفي في الهند موجود بين المسلمين و الهندوس، و الدولة في الهند تغذي ذلك الصراع و تستثمرة و ليست جادة في وضع حد له و لا تريد الاعتراف بالاخطاء .
فالدولة في الهند تعتبر نفسها هندوسية و المسلم دخيل على الهند، و الحق في الهند للهندوسي قبل المسلم.
● تتذكرون مشكلة المسجد القديم في الهند، الذي طالب به الهندوس بحجة كونه معبد قديم قبل ان يكون مسجد، لذلك قررت المحكمة في الهند اعطاء الهندوس الحق و هدم المسجد و جعله معبد .
هذه الحادثة سببت صراع طائفي في الهند، و زرعت في نفوس المسلمين الكراهية .
● تتذكرون عندما تم تقسيم الهند بين المسلمين و الهندوس، كم حدثت عمليات قتل للمسلمين في الهند .
تاريخ مازال حي في الذاكرة و لم يتم معالجته .
● الهندوسي يقدس البقرة و المسلم يذبح البقرة ، و يمكن بسبب هذا الامر يحدث صراع و كراهية من الهندوسي نحو المسلم
ليس الصراع بين الهندوس و الاسلام، بل هناك صراع بين الهندوس و السيخ بسبب تاريخ معاصر، عندما قامت الدولة الهندية بانتهاك حرمة مقدسات السيخ و قامت بقتل عدد كبير منهم في داخل معبد لهم مقدس .
يعني بشكل مختصر … الصراع الطائفي موجود داخل المجتمع، لكن الدولة هي من تسيطر عليه .
– الدين نفسه
صحيح ان الهند دولة علمانية تتبنى الديمقراطية، لكن تقسيم بريطانيا للهند على أساس ديني، هو الذي منح الهند هوية هندوسية في الوعي الجمعي على الدولة .
و هذا الشيء جعل ضرورة ان تكون هوية الهند هندوسية، و هذه الضرورة منع الوعي الجمعي من عمل مراجعة للديانة الهندوسية، فاصبحت الهندوسية تقريبا فوق النقد الجذري، لان نقد جذور الهندوسية، هو انتقاد لهوية الهند الرسمية، فلا يمكن ان يكون الشخص هندي بدون ان يكون هندوسي.
و هنا المشكلة
فالديانة الهندوسية لديها مشكلات جذرية خطيرة و كثيرة ، و هي سبب رئيسي لواقع الهند اليوم ، فلم يستطع الوعي الجمعي الهندوسي ان ينتج نقد حقيقي للهندوسية و تاريخها في الهند ، لان الوعي الجمعي يرى الهندوسية هوية امة و اصل الانسان في الهند، فاصبح الامر صعب حتى على غاندي رمز الهند، لم يفكر يوما بعلاجها رغم خطورتها.
كيف ؟
الهندوسية ديانة طبقية ، و تعتبر الطبقية ركن اساسي فيها، و هذه الطبقية جعلت من ٢٠٠ مليون شخص في الهند ضمن المنبوذين في الهند .
تخيل ٢٠٠ مليون شخص ، اي تعداد دولة مصر و الجزائر و المغرب، شعب كامل منبوذ في الهند، و تتعامل بقية الطبقات معهم على اساس النبذ، فلا يخالطون و لا ياكلون معهم و يتعرضون للاذية و نساءهم يتعرضن للتحرش و العنف من الطبقات الاخرى ، و الدولة ليست لها برامج حقيقة لاخراجهم من حالة الفقر و النبذ ، و كان المنبوذين ضرورة في واقع الهند حتى يكتمل الدين الهندوسي.
لذلك .. تجد هولاء المنبوذين ساخطين على الدولة الهندية، و يكرهون رمز الهند غاندي
لماذا ؟
لان غاندي لم يعالج مشكلتهم، و بنفس الوقت يقدسون شخص هندي كانت من طبقة المنبوذين و من الذين ساهموا بكتابة دستور الهند و هو ( امبدكار – بابا صديق).
تخيل ان هذا الهندي ( امبدكار ) و بالرغم انه حامل شهادات جامعية و بروفسور في القانون و دكتور بالفلسفة و التاريخ، لكن الهنود من بقية الطبقات الاخرى لم يكونوا يشربون من الكاس الذي يشرب منه.
و قد اعلن هذا الشخص ( امبدكار ) سخطة على الهندوسية و اعتبرها ديانة عنصرية و حقيرة، و دعى قومه للخروج منها و اعتناق البوذية .
تخيل معي مشكلة وطنية داخل الهند تمس ٢٠٠ مليون شخص، يعني طاقة كبيرة و ثروة بشرية ضخمة مهدظة، لكن الهند لم تستطع ان تجد لها حل جذري .
لا يقتصر الامر على الطبقية ، بل في معتقدات جعلت من سكان الهند يقدسون الاوساخ و غيرها من المشكلات .
بمعنى اخر …. يمكن اعتبار الهندوسية بتاريخها و معتقداتها فوق النقد داخل الهند، و التشكيك بها يعتبر مساس بالهند و هويتها .
و لذلك …… نحن نعتقد ان هذه المشكلة الهندوسية من صناعة بريطانيا.
كيف ؟
الهندوسية لا تنسب الى مؤسس، و هي ديانة قومية غير تبشيرية، اي ان الهندي من يكون هندوسي، لكنها تنسب لحالة تاريخية قديمة في الهند ، و اعتقد ان الكثير من الناس يعتقدون اليوم ان الهندوسية اقدم ديانة في الارض، ربما بحكم التعداد الديني للهندوس الذي يفرض على الوعي الاعتقاد بحالة قديمة نتج عنها هذا العدد الكبير ، لكني ارى بان هذا الاعتقاد خاطىء، و اعتقد جازما ان بريطانيا عندما احتلت شبة القارة الهندية هي من صنعت الديانة الهندوسية، اي ان الهندوسية عمرها حديث في الهند، لكن لان بريطانيا من كتبت التاريخ فهي من منحت هذا الدين هذا التاريخ .
ماهو الدليل ؟
الهندوسية ليست حالة طبيعية في الهند ابدا ، فاذا كانت الهندوسية طبيعية و ثقافة و فلسفة هندية خاصة بسكان الهند ، لما كانت ظلمت سكان الهند و جعلتهم طبقات و جعلت طبقة منها منبوذة .
ايضا .. لا استطيع تخيل مجتمع في الارض ممكن ان يقبل ان يعتنق دين يعتبره منبوذ ، و ذلك الهندي ( امبدكار ) عبر عن هذه الحقيقة بشكل واضح ، برفضه للهندوسية و مطالبة قومه بالخروج منها و اعتناق البوذية، و هذا ليس الا دليل على ان الهندوسية فرضت على قومه بالغصب عبر قوة ، و لم يدخلوا الهندوسية برغبة .
و مع ذلك .. لا يمكن ان تجد محاولة جادة علمية من قبل الدولة في الهند او المفكرين الهنود في اعادة قراءة التاريخ الحقيقي للديانة الهندوسية، و لا توجد ايضا محاولة لنقد الجذور الاساسية للمعتقد الهندوسي .
بالمختصر الهندوسية ليست حالة طبيعية في الهند، بل هي مشكلة حقيقية في الهند ، فرضتها قوة قسمت الهند لطبقات ، و لا يمكن ان يحدث ذلك الا بسبب عامل خارجي و هذا العامل لا يمكن ان يكون الا المحتل البريطاني .
بل اني اعتقد انه مساحة الهند و عدد السكان، هو السبب الذي جعل بريطانيا تفكر بصناعة الهندوسية و جعلها مفتوحة تقبل اي شكل ديني و معتقد و اي عبادة ، لان عملية فرض هندوسية مغلقة واحدة كان يتطلب مجهود كبير و اموال ، فجعلوها تتقبل اي شكل غريب و غير طبيعي و اعتبروها هوية هندوسية ، و جعلوها تقدس البقرة الذي كان منتشر في اي ريف، حتى يخلقوا صراع مع المسلمين في الهند من هذا الباب الذي لا يمكن اغلاقه ابدا .
و لذلك كتبت بريطانيا تاريخ قديم جدا للهندوسية ، لاخفاء فعلتها في الهند، لان اكتشاف التاريخ الحقيقي للهندوسية سيقضي عليها، و ايضا كتب تاريخ حديث للاسلام في الهند، لاخفاء حقيقة ان الاسلام اقدم من الهندوسية في الهند و هو اصل الحقيقي لسكان الهند، و ادراك ذلك يعني انتهاء المشكلة التي صنعتها بريطانيا في الهند، و تصبح بريطانيا غير قادرة على استثمار المشكلات لصالحها.
.
.
.
