مفهوم النبأ في خطاب القرآن

8/31/2020 0:00:00

رابط المقال

تحدثنا في مقال سابق حول ظاهرة ثقافية موجودة في مجتمعاتنا، حول نساء لديهن قدرات خاصة و يحضين باحترام من المجتمع ، و يقال بان لديهن قدرة على معرفة ماضي الموتى، و هولاء النساء ليست مشعوذات و لا يتحصلن مال على عملهن، و تقوم هولاء النساء بعملهن من باب الاجر، و يرفضن اخبار الناس باي شيء سيء من ماضي الشخص .

الحقيقة اني لم التقي بواحده منهن حتى أتأكد، لكن هذه الظاهرة جعلتنا نفكر جيدا في ثقافتنا الشعبية حتى نفهم ما مدى اهمية الزمن و مفهوم الزمن ايضا في ثقافتنا .

ثقافة كشف الماضي بشكل عام داخل ثقافتنا منتشرة ، اما ظاهرة كشف المستقبل فتبدو بارزة داخل ثقافتنا بشكل كبير ، من قصص تدور حول احداث عامة او حول شخصيات ، و من اهتمامات الناس في مطالعة الابراج ، الى م علوم تدور حول هذه الظاهرة و الخ … و تبدو نبوءات المستقبل كالخوارق في داخل ثقافتنا ، عندما تنطبق الاحداث مع منطوق النبوءة .

هذه التساؤلات و الافكار و عمليات البحث يطول الحديث حولها ، تقودنا الى طرح سؤال هام:

هل يمكن القول بان الانبياء ظاهرة ولدت من داخل هذه الثقافة ،

هل الانبياء هم من حصل لهم اتصال الهي مع عالم الغيب و اطلعوا على المستقبل ؟!

و هل يمكن القول بان الانبياء جاءوا بنبوءة عن المستقبل ؟

تصور قد يبدو منطقي ……… لكن اين يمكن البحث عن النبوءة التي جاء بها النبي ؟.

ليس امامنا الا شيء واحد يمكن البحث من خلاله و التاكد من هذا الشيء ، و هذا الشيء هو القران الكريم ، الميراث الذي يمكن الاحتكام له و بثقة تامة ، لان بقية ما ينسب للنبي من قصص و احاديث لا يمكن الجزم و التاكد منها، لان الاحتمال سيكون كبير جدا بكونها نتاج شعبي و سياسي و اجتماعي تفاعل مع ظاهرة النبوة مع الزمن. و عليه و وفق منطقنا هذا الا يمكن ان نطرح السؤال التالي :

هل القران الكريم نبؤة تتحدث عن المستقبل ؟

هذا السؤال يتطلب مننا الذهاب الى القراءن و البحث فيه و تدبره جيدا .

————————–

لو ذهبنا الى القراءن و تدبرنا خطابة جيدا، و قارناه بخطاب كتاب اخر يشبه ( كتاب العهد القديم ) ، سنجد ملاحظات هامة:

سنجد مفردات القراءن بسيطة جدا و عامية ، و لا يوجد هناك احتفال كبير بالمفردات المعقدة و التسميات الخاصة ، خطاب فطري اولي، و كانه يتحدث بلسان هو الاول في الارض، الذي لا يعرف حدود و لا جنسيات و لا هويات و لا اختلافات و لا تمايز .

فمثلا القراءن يتحدث بمفردات ( قرية ، مدينة ، جبل ، سماء ، ارض ، نبات، قوم ، الخ ) … بدون وجود اضافة تسميات اخرى لتلك المفردات .

1- فمثلا القراءن لا يتعمل بخطاب ( مدينة دمشق ) بل يتعامل بخطاب ( تلك المدينة )

2- و مثلا القراءن لا يتعمل بخطاب ( مدينة الاسنكدرية ) بل يتعامل بخطاب ( القرية حاضرة البحر )

3- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( القاهرة و بغداد ) بل يتعامل بخطاب ( القريتين )

4- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( الانجليز و الفرنسين الخ ) بل يتعامل بخطاب ( القوم )

5- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( خطوط المسند ) بل يتعامل بخطاب ( ذلك الكتاب )

6- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( جميس براون الذي فك نقوش المسند ) بل يتعامل بخطاب ( الذي اوتي الكتاب )

3- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( الدول و الحدود ) بل يتعامل بخطاب ( الأرض )

3- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( الجنسيات و الهويات ) بل يتعامل بخطاب ( الناس امة واحدة )

3- و مثلا القراءن لا يتعامل بخطاب ( الخضر ) بل يتعامل بخطاب ( رجل صالح )

القراءن غير مشغول و غير مهتم بمسميات الاشياء الخاصة بل بتسميات الاشياء العامة .

فالقراءن غير مهتم بكون اسمك الخاص ( يا نجيب ) بل يخاطبك باسمك الحقيقي ( يا ايها الانسان ) .

و اذا وجدت اليوم مثلا ( ما مدى نفاق ال سعود ) ، فالقراءن غير متهتم بهذه التسمية الخاصة ، بل مهتم بالتسمية العامة ( الذين نافقوا )

و اذا وجدت حادثة وقعت في مدينة بارس و تصلح لان تكون نموذج لشرح فكرة ما ، فالقراءن غير مهتم بهذه التسميات الخاصة ، بل يخاطبك بالتسمية العامة ( و اضرب لهم مثلا اصحاب القرية )

و اذا قام مجموعة من رجال مخابرات فرنسا بعمل فاسد و استطاعوا خداع الناس ، فالقراءن غير مهتم بهذه التسميات، بل يخاطب الناس بخطاب ( و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)

مفردات عامة بسيطة و ليست خاصة ، و خطاب موجز و مختصر و ليس فيه اطناب ، و لا يحاول ان يعطي مسميات اخرى للاشياء حتى يشرح مقاصده و معانيه. لانها مفردات عامة بسيطة مفهومة لكل شخص .

( فدمشق ) هي مدينة و يكفي ، و لا حاجة لذكر اسمها الخاص

و ( الانجليز ) فعلا قوم و يكفي ، و لا حاجة لذكر اسمهم الخاص

و ( وهران) فعلا قرية حاضرة البحر و يكفي ، و لا داعي لذكر اسمها الخاص .

و ( انت) انسان فعلا و يكفي ، و لا داعي لذكر اسمك ( احمد ) الخاص

و ابني ادم هما اخوين و يكفي ، و لا داعي لذكر اسميهما ( هابيل و قابيل ) الخاص

و (خط المسند) هو كتاب و يكفي ، و لا داعي لذكر اسمه الخاص ( المسند ) .

خطاب بسيط جدا و مختصر ، و مفردات عامة اولية غير معقده و غير مميزة …. خطاب اولي يحدث الفطرة الاولى عند الانسان .

سماء ، نجوم ، قمر ، شمس ، عين اذن صدر قلب ، ارض ، نبات ، قرية ، مدينة ، نهر ، ماء ، انسان دابة ، بيت كتاب قلم …. الخ

و كل هذه المفردات يفهمها اي شخص و لا يوجد صعوبة ابدا في فهمها ، فكل هذه المفردات موجودة في كل بيئة يتواجد فيها اي شخص و يعرفها اي شخص موجود في الارض .

فمثلا القراءن لا يخاطبك عن ( مجرة الاندروميدا )، فهناك الكثير ممن لا يعرف هذا الاسم ، لكن القراءن يخاطبك بمفردة عامة، فبدل كلمة ( الاندروميدا ) يقول لك ( تلك النجوم ) .

و مثلا القراءن لا يخاطبك عن ( حيوان الكنغر )، فهناك الكثير ممن لا يعرف هذا الاسم ، لكن القراءن يخاطبك بمفردة عامة، فبدل كلمة ( الكنغر ) يقول لك ( دابة الارض ) .

و هكذا

و هذه الخاصية الموجودة في القراءن ، لا تجدها ابدا في كتاب اليهودية ( العهد القديم ) ، بل هو عكس خطاب القراءن تماما.

فكتاب اليهود ( العهد القديم ) يحتوي على خطاب معقد و طويل ، و ممتلىء بالمفردات المعقده و الخاصة و المميزة …. خطاب يحدث الشخص بخطاب حدود و جنسيات و هويات و قوميات .

و هذا يجعلك تدرك جيدا بصورة مؤكدة ، بان ( القراءن) و ( كتاب العهد القديم ) من مصدرين مختلفين و ليس من مصدر واحد، مستحيل ان المصدر الذي جاء منه القراءن ( الله ) ، سيكون هو نفس المصدر الذي جاء ( بكتاب العهد القديم )، بل من مصدر مختلف عن المصدر الاول ( الله ) .

فالمصدر الاول ( مصدر القراءن ) هو الفطرة الاولى ، و مصدر ( كتاب العهد القديم ) هو العقل السياسي الحديث .

لسنا في موضوع مقارنة بين القراءن و كتاب العهد القديم، لكن من باب فصل المصدرين حتى تتضح الرؤية كثيرا ، لان موضوعنا حول مفهوم النبأ في خطاب القراءن .

————————–

ماهو الاسم و كيف نعرف الاسماء الاولى ؟!

هذه السؤال قد خاض فيها علماء اللغات بشكل كبير، و هذا الخوض يمكن اختصاره بسؤال هو جوهر علم اللغة : كيف نشات اللغة عند الانسان ؟!

طبعا … نحن نعيش في عالم اصبح يقوم على عقيدة نظرية التطور، فنظرية التطور ليست نظرية علمية بيولوجية كما يعتقد البعض، بل دخلت على كل العلوم الانسانية ، لانه مادام هذه النظرية اصبحت حقيقة ، فمن المنطقي بان تفسير كثير من الظواهر الانسانية ( اللغة – الاخلاق – الاسرة – المجتمع – الخ ) سيكون بالاعتماد على فكرة التطور .

فالاخلاق تطورت ايضا ….. و نظام الاسرة تطور … و الخ .

و لذلك فعلم اللغة الحالي الذي تاسس على يد علماء غرب من نظريات و معلومات و الخ ، و هو اساس مناهج الجامعات و التعليم فدينا ، و يقوم هذا المنهج على اساس فكرة مركزية هي ان اللغة قد تطورت عند الانسان، خلال رحلة تطور الانسان و انشقاقة من عالم الحيونات، و اثناء تطور الانسان كان يتعلم اصوات من الحيوانات، و هذه الاصوات هي منشأ اللغة ، و هذا التطور هو تفسير واقع اللغات في العالم اليوم .

هذا هو منهج الغرب.

و تجد هذا المنهج واضح بصورة جلية و مضحكة …… عندما تشاهد لقاء مع عالم غربي ( ريتشارد دوكينز ) و عندما المذيع يساله : كيف نشات اللغة عند الانسان ؟ … فيقول ( ريتشارد دوكينز ) بان البداية كانت بتعلم الاصوات من الحيوانات .. عندما كان الانسان يحاول تقليد الحيوانات …. ثم يقوم العالم ( ريتشارد دوكينز ) امام المذيع باخراج صوت من فمه يشبه صوت القرود : ( عاووو – قهة ) .. و يقول بان الانسان كان يصرخ هكذا في البداية ، و يقلد هذه الاصوات و مع الوقت نشأت كلمات و تكونت اللغة .

و بهذه الطريقة المضحكة و الساخرة و باسم العلم فسروا اللغة ، و اصبح هو لب الوعي الغربي الفكري العلمي و الذي يسعى لجعله وعي عالمي . بل ان هذا المنهج الغربي و باسم ( العلم ) ، ينظر الى اي فكرة اخرى بانها ليست علمية ، بل متتخلفة مرتبطة بالاديان التي احتاجها الانسان اثناء تطوره ، كتفسير بسيط لهذه القضايا العلمية المعقدة .

فمثلا .. اصبحت فكرة ان اللغة عند الانسان هي فطرة، فكرة غير علمية و تدعو للسخرية ( لكن عاووو و قهة لا تدعو للسخرية )، و مناهج الغرب يتحدثون عنها من باب الحديث عنا التفسيرات البسيطة للغة عند الشعوب .

فمثلا يقال في مناهج علم اللغة من باب الحديث عن الافكار البدائية الخرافية …… بان هناك شعوب امنت بان اللغة هبطت من السماء، و هناك شعوب امنت بان الانسان تعلم اللغة من الخالق .. الخ .

و هذا هو جوهر القضية .

مناهج الغرب متناقضة جدا … فهي تؤمن بان الانسان جزء من مملكة الحيوانات ………. لكنها لم تستطيع تفسير كيف نشات لغات تواصل الحيوانات الاخرى ، هي هي تطورت ، فالحيوانات لديها لغات تواصل، و من الطبيعي بانها لغات موجودة في بنيتها ، و لا تحتاج الى تعلمها، فالحيونات من فصيلة واحدة تستطيع التواصل بينها ، حتى لو اخذت حيوان و ابعدته عن فصيلته، لكن ما ان تضعه مع بني جنسه يستطيع التواصل .

فكيف اكتسب هذه اللغة بدون ان يتعلمها ؟!

فطرة مغروسة فيه

و الانسان ايضا نفس الشيء، لقد تواجد الانسان في الارض و هو يحمل لسان فطرة اولى، يتخاطب به مع غيره من البشر .

و البعض لا يدرك بان القراءن يعالج هذه الفكرة الهامة جدا، و التي هي جزء هام من حقيقة الانسان في الارض .

{ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم }

{وعلم آدم الأسماء كلها }

الاسماء الاولى التي تواجد الانسان معها ، و هذه الاسماء هي نفسها الاسماء التي يتحدث بها خطاب القراءن .

السؤال الان : كيف نعرف الاسماء الاولى ، او بمعنى اخر ، هل ( ارض ) اسم اولي ، و ما معنى الاسم الاول ؟!

نعم … كلمة ( ارض ) اسم اولي … بمعنى لا يوجد قبل كلمة ( ارض ) اسم اخر خرج منه كلمة ( ارض ) .

او بمعنى اخر … لم تشتق كلمة ( ارض ) من اي كلمة اخرى ، او من اصوات اخرى ، هي تسمية اولى .

و هذا النقطة التي سببت عجز لدى بعض الباحثين لدينا المؤسسين على مناهج الغرب الداروينية في علوم اللغة و التاريخ و الخ ، عند محاولاتهم تقديم مواد علمية لتفسير الاسماء و الكلمات العربية ، فهم يفترضون بان الانسان القديم كان يعبد اله التراب ( رض ) في اللغة السومرية القديمة ، و مع الوقت تحولت الكلمة الى ( ارض) في العربية .

مثل هذه التفسيرات الداروينية المضحكة التي تسخر من عقول الناس التي اصبحت تؤمن بنظرية التطور، و تحضر لها كلمات تشبه كلمات القراءن ، لكن بنقص حرف او حرفين ، ثم تنسب الكلمة الى الهة قديمة عبدها الناس ، و مع تطور الانسان و دينه ، تطورت الكلمة و زاد فيها حرف او حرفين ، لتصبح الكلمة الموجودة في القراءن .

ارض … كلمة اولى لا يوجد قبلها اي كلمة اخرى .

————————–

دعونا نعود للمقال السابق ( الجزء الاول )، و الذي طرحنا فيه عدة اسئلة ، كمقدمة لمعرفة مفهوم النبأ و ارتباط المفهوم بادراك الاسماء …. و سنقوم بوضعه كاملا هنا … لاجل عملية الترابط

في البداية دعونا نتحدث في جانب اخر، اجده جانب مهم جدا كمدخل لتوضيح الفكرة العامة .. و سنفترض قيامنا بتجارب في الواقع و نقوم بطرح عدة أسئلة.

انا : لو سالتك سؤال : ما اسم ذلك الشيء الذي يحتوي على ماء مالح بكمية ضخمة و تسير عليه السفن؟

انت : طبعا اجابتك ستكون …. ( بحر )

انا : لكن لو سالتك سؤال اخر : هل انت متأكد بان اسمه بحر ؟!

انت : ربما ستقول بينك و بين نفسك بان سؤالي غريب جدا، لكنك ستجيب على سؤالي … نعم متاكد، (بحر ).

انا : جوابك غير صحيح ، لاني قد سالت شخص اخر نفس السؤال الذي سالتك و كان جوابه بان اسمه هو ( sea – سي ) و ليس( بحر )

اذن فما هو الاسم الحقيقي لذلك الشيء ، هل هو ( بحر) ام ( سي )؟

انت : هو نفس الاسم ، هو بحر او سي لان سي بالانجليزي يعني بحر .

انا : انا لدي ذلك الشيء و هو شيء واحد، و لابد ان يحمل اسم واحد فقط و ليس اسمين .

فماهو اسم ذلك الشيء ؟

انت : خلاص .. اسمه بحر

انا : لكن هناك شخص اخر يقول بان اسمه ( سي )

انتهى

ما معنى هذا ؟!

سؤال واضح و سهل : ما اسم ذلك الشيء ، هل اسمه بحر ام سي ؟!

هذه القصة ستتكرر معنا في كل الاشياء الموجودة حولنا، و سنطرح نفس السؤال السابق :

هل اسم ذلك الشيء (جبل ) ام ( ماونتين ) ؟!

هل اسم ذلك الشيء ( سماء ) ام ( سكاي ) ؟!

هل اسم ذلك الشيء ( هرم ) ام ( بيراميد ) ؟!

سيقول البعض : ما اهمية هذا، هي مجرد لغات و كل لغة لديهم تسميات مختلفة للاشياء ؟!

لكن بالنسبة لي مهمة جدا، لاني انوي ان اكتب رسالة لاحفادي الذين سيولدون بعد 200 سنة ، و اريد ان يفهموا رسالتي جيدا، و اريد تسمية الاشياء باسماءها الحقيقية، حتى يفهموا ماذا اقصد و الى ماذا اشير في رسالتي …… لان الاسماء الحقيقية هي الاسماء التوقيفية و التي سيعرفها اي شخص حتى بعد 1000 سنة .

س : لكن هل يعقل بان الشيء الجامد لديه اسم توقيفي مرتبط به ؟!

بمعنى اخر ………. هل الجبل اسمه (جبل ) ، لان لديه لسان يتكلم بها و يقول انا ( جبل ) ؟!

ج : لا ………. اذن ستكون اسماء الاشياء هي عملية اتفاق تمت بين الناس ، و كل مجموعة من الناس لها حرية تسمية الشيء باي اسم حسب اتفاقهم في لغتهم و يصبح اتفاقهم هو عملية توقيفية .

صحيح هذا الشيء … و هذا سيكون مشكلة اذن … لو فكرت بكتابة رسالي لاحفادي، لان مسميات الاشياء تتغير حسب اتفاق الناس، و لن يفهم احفادي رسالتي التي انوي كتابتها .

لكن ماذا لو قد جرى اتفاق في الماضي القديم جدا …. لدى اول مجموعة من الناس سكنت الارض، على تسميات الاشياء من حولهم باسماء، و تم تسجيل هذا الاتفاق في كتاب يضم فيه اسماء للاشياء من حولنا، و اصبح هذا الكتاب توقيفي ؟!

لو فعلا هذا قد جرى في الماضي ، فان المشكلة التي واجهتني قد حلت، عن طريق الاعتماد على مسميات الاشاء الموجودة في هذا الكتاب، باعتبارها الاسماء التوقيفية الاولى ، اثناء كتابة رسالتي التي انوي كتابتها، و التي اريدها ان يفتحها احفادي بعد 200 سنة، و لن يصعب على احفادي فهم مسميات الاشياء التي كتبتها في الرسالة ، لانه لو صعب على احفادي فهم اي اسم في رسالتي، فانهم سيتجهون للكتاب التوقيفي و سيعرفون معنى هذا الاسم.

س : لكن ماذا لو احفادي لم يدركوا بان ذلك الكتاب توقيفي و عليهم الرجوع له لو صعب عليهم فهم كلمة من كلمات رسالتي ؟!

ج : سؤال منطقي ، لكن اعتقد بان الحل سهل .

اولا مادام هذا الكتاب توقيفي، فمؤكد بانه سيكون مرجع الناس جميعا لو صعب لديهم فهم كلمة ، و اكيد بان احفادي سيعرفون.

لكن هناك احتمال بان تحدث مشكلة ، و ينسى الناس هذا المرجع ، لذلك فالحل … ان كتب الرسالة و ساكتب في نهايتها ملاحظة تقول : [ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى لكم، في حال صعب عليكم فهم اسم او كلمة في رسالتي ] .

تقريبا حلت المشكلة .

صحيح بان هذه المشكلة قد حلت نهائيا ، لكن هناك مشكلة اخرى ، ستواجهنا في الرسالة ، فنحن تحدثنا عن اشياء جماد من حولنا ، لكن ماذا عن الكائنات الحية ؟!

كيف ؟

انا : ما هو اسمك ؟

انت : اسمي … عادل

انا : ما هو اسمك الحقيقي، فهذا الاسم اختاره لك والديك ؟

انت : لا مشكلة ، انا غيرت اسمي و اخترت اسم اخر لي هو : خالد .

انا : لكن ماذا لو فقدت الذاكرة و نسيت اسمك، و اخترت لك اسم اخر و ليكن حسن ، فهل اسمك عادل او خالد ام حسن ؟!

انت : خلاص ، اسمي انسان .

انتهى

ما هو المعنى ؟!

الجبل اسمه جبل ، في اي مكان تجد فيه جبل ، و السماء اسمها سماء في اي مكان، اسماء واحدة ، و لا تحتاج لاسماء اخرى.

س : اذن …. فما اسم هذا الشيء الذي يمشي على رجلين و لديه عينين و انف و عينين و اصابع ؟!

ج : انسان .

صحيح جدا

اذن … فاسمنا الحقيقي التوقيفي هو …. انسان

اعتقد بان المشكلة قد حلت، و لو فكرت بكتابة الرسالة لاحفادي ، فمن المؤكد بان اسم (انسان ) سيكون هو الاسم التوقيفي الموجود في ذلك الكتاب التوقيفي ، و ساعتمد هذا الاسم اثناء كتابة رسالتي لاحفادي .

لكن مازال لدينا مشكلة اخرى ….. ماذا لو اردنا ان نتسمي باسم غير اسم ( انسان ) ….. عندها ستكون اسماءنا هي مسميات غير توقيفية ، لانها اسماء تتبدل و ليست ثابته ، فنحن نستطيع ان نغير اسماءنا، و هذا يعني بان الاسم الجديد ليس الاسم الحقيقي لنا .

و هنا المشكلة ….. فهذه الاسماء ( خالد ، عادل ، حسن ) اسماء غير توقيفية ، و لا يمكن ان تتواجد في الكتاب ، لانها متغيره ، خصوصا لو كنت ( نبي ) و كتبت رسالتي لاحفادي بعد 200 سنة، و احدثهم عن قصة ستقع في زمنهم حول انسان مجرم و و اردت ان اسميه باسم داخل القصة ؟!

فكيف ساختار اسمه من الكتاب و هو اسم ليس توقيفي، بل اسم متغير كما هو حال بقية الاشياء ؟!

مشكلة

لكن ماذا لو كان الكتاب يعالج هذه المشكلة، فهو يقول بانه في حالة كتابة النبأ، فهناك اسماء تنزل بسلطان متعلقة بالنبا، و هي بالنسبة له اسماء توقيفية، لانها انباء حقه ، فالاسم الذي وضعه النبأ للشخص هو الاسم الحقيقي الصحيح … لان هذا الاسم هو الاسم الذي اخبرنا عن قصته قبل ميلاده ، و مادام النبا حق، و وقع النبأ فهو اسم توقيفي ، حتى و ان تسمى الشخص باسماء اخرى في الواقع ( خالد عادل حسن ) ، فاسمه الحقيقي هو الاسم الذي تحدث عنه قبل ميلاده و اخبرنا قصته .

بمعنى اخر ….. لو اسمك عادل ، ثم غيرت اسمك بعد فترة لاسم خالد ، و بعد فترة سافرت الى بلاد اخرى و هناك فقدت الذاكرة و نسيت اسمك، و قررت تسمية نفسك باسم حسن . و بعد فترة شاهدت كتاب كتب قبل 200 سنة و مكتوب فيه قصة تتحدث عنك ، و مكتوب اسمك في القصة ( موسى ) … فاسمك الحقيقي التوقيفي ليس عادل و لا خالد و لا حسن ، بل اسمك الحقيقي التوقيفي ( موسى ) .

او بمعنى اخر ….. لو اسماك ابوك (نابليون ) ، و بعد فترة شاهدت كتاب كتب قبل 200 سنة و مكتوب فيه قصة تتحدث عنك ، و مكتوب اسمك في القصة ( فرعون ) …….و فاسمك الحقيقي ليس (نابليون) ، بل اسمك الحقيقي التوقيفي ( فرعون ) الموجود في الكتاب .

و هذا … هو جوهر مفهوم النبأ في القراءن.

————————–

الان ….. بعد ان عرفنا تلك الخصائص الموجودة في القراءن، و ادركنا مفهوم الاسماء الاولى التوقيفية …. فالسؤال المهم :

هل هذا الخطاب العام الموجود في القراءن ذو المفردات العامة غير الخاصة … يحتاج الى نبي يفهم جيدا الخطاب و يتلقى النبأ، و يدرك التسميات الخاصة الجديدة لتلك الاشياء ذات المسميات العامة و التي اصبحت متداولة في الواقع و اصبحت محيطة بالناس، ثم يصبح رسول و يوصلها للناس .

بمعنى اخر

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص للاسم العام ( الكتاب ) و المتداول الان في الواقع، هل هو ( كتاب نيوتن ) ام ( خط المسند ) .

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص المميز للاسم العام ( قوم يعلمون ) و المتداول الان في الواقع ، هل هم ( العرب ) ام ( القرشين ) ام ( الاتراك ) ام ( اليونانين ) ؟!

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص المميز للاسم العام ( القرية حاضرة البحر ) و المتداول الان في الواقع ، هل هي ( الاسكندرية ) ام ( وهران ) ام ( بيروت ) ام ( ميامي ) ؟!

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص المميز للاسم العام ( التوراة ) و المتداول الان في الواقع ، هل هو ( كتاب اليهود ) ام ( كتاب الهندوس ) ام ( كتاب الزرادشتين ) ؟!

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص المميز للاسم العام ( للقريتين ) و المتداول الان في الواقع ، هل هم ( دمشق و القاهرة ) ام ( باريس و لندن ) ؟!

هل نحتاج الى رسول يطلعنا على الاسم الخاص المميز للاسم العام ( السحر ) و المتداول الان في الواقع ، هل هو ( الاعلام المزيف الكاذب) ام ( التاريخ المزيف ) ام ( الالعاب السحرية ) ام ( الترجمات المزيفة ) ؟!

لماذا طرحت هذه الأسئلة ؟!

لان خطاب القراءن يؤكد منطق هذه الاسئلة ، بشكل واضح جدا .

فالقراءن يتل على الرسول انباء

{ نتل عليك نبأ موسى و فرعون بالحق }

{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين}

{وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين}

ثم بعد ذلك … القراءن يخاطب الرسول بان يتل على الناس نبأ اشياء تحمل تسميات عامة، و يتل على الناس التسميات الخاصة المميزة لها و المتداولة في الواقع اليوم .

فهو يأمره ….. بان يتل نبا الذي اتيناه اياتنا فانسلخ منها و يخبر الناس بتسميته الخاصة التي اصبحت متداولة في الواقع و قصته .

{واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176)}

و يأمره ايضا … بنفس العمل السابق ، بان يتل نبأ ابني ادم ، و يخبر الناس بتسمياتهم الخاص المميزة لهم في واقع اليوم و قصتيهما .

{واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (28) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين (31)}

ثم بعد ذلك … القراءن يخاطب الرسول و يامره بان يقول للناس :

{قل هو نبأ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68)}

و مؤكد بان هذا الاعراض لدى الناس …… لان الناس قد تخلت عن فطرتهاالاولى ، تخلت عن خطاب الفطرة الاولى التي كان الناس عليها، الخطاب ذو المفردات العامة الاصلية الاولى ، و اصبحوا يؤمنون بان التسميات الخاصة هي اصل الناس و حقيقته .

و هذا ينطبق على واقع اليوم ، فالناس اليوم اصبحوا يعيشون داخل عالم محكوم ب مسميات غير حقيقية و بقوانين تناقض الفطرة و اصبح الناس متكيفون معها و يعتقدون بانها اصلهم الحقيقي، فاصبح الناس يؤمنون بالدول و الحدود و ليس بالارض ، و يؤمنوا بالتسميات العرقية و الجنسية و ليس بالانسان ، و اصبحوا يؤمنون بكتب و ليس بكتاب واحد ، و اصبحوا يؤمنوا بعدة تاريخ و ليس تاريخ واحد .

و مثل هذا الواقع سيجعل الانسان معرض تماما عن الخطاب الذي يحتوي على مسميات الفطرة الاولى التي كان عليها الناس قبل هذا العالم الممتلىء بالمسميات الخاصة المتغيرة دائما ا.

فمثلا … القراءن يخاطب الناس عن القوم الذيي اوتوا الكتاب، و هو خطاب صحيح حقيقي صادق ، و لا يخاطب الناس عن ( الفرنسين ) الذين ترجموا نقوش مصر ، لانه لا فرق بين الخطابين ابدا ، فالفرنسين قوم ، و نقوش مصر هي كتاب .

الفرق الوحيد هو …… ان تسميات القراءن هي تسميات اصلية اولية ، بينما الواقع اصبح يحتوي على تسميات خاصة مميزة و متغيرة غير اصلية ، فالفرنسين كان اسمهم قديما الفرنجة و اليوم فرنسا و غدا محتمل ان يحملوا اسم اخر .

و هكذا

————-

هل القراءن الكريم يؤكد هذالمنطق الذي تحدثنا عنه ، و ماهي المشكلات التي رافقت المسلم في الواقع نتيجة عدم فهم منطق خطاب القراءن ؟!

في مقال قادم

اترك تعليق