القرن الأفريقي ومشكلة الهوية

2025-12-10 T23:30:00-08:00

اعتقد بان الكثير عندما يسمع كلمة افريقيا، فانه ياتي في بالة مباشرة مشكلة الانقلابات العسكرية و الصراعات القبلية في دولها ، ففي كل فترة يحدث انقلاب عسكري او يحدث تمرد قبلي على الدولة المركزية، و هذا بسبب ان مشكلة دول افريقيا هي التركيبة القبلية و الصراع القبلي الذي لم يوفر الاستقرار المطلوب لشعوبها.

تقريبا هذه اكبر مشكلة في افريقيا، و هي القبيلة و عدم وجود نظام حكم قوي يجعل ولاء المواطن للدولة و ليس للقبيلة، بسبب الفساد و التدخلات الخارجية و صناعة انظمة تخدم القوى الخارجية بجانب ان العقلية القبلية مازلت تحكم تقريبا انظمة الحكم فيها .

لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة الموجودة في افريقيا، فهناك مشكلة اخرى تتعلق بالهوية، و هذه المشكلة لا تجدها في كل افريقيا، تقريبا موجودة في القرن الافريقي تحديد. 

تقريبا لا تجد هذا المشكلة و هي مسكلة الهوية موجودة في دول افريقيا التي تعاني من مشكلة القبيلة و الدولة، فهوية تلك الدول متفق عليها و هي الهوية الافريقية، لكن في القرن الافريقي الامر مختلف، فبجانب مشكلة القبيلة، هناك مشكلة الهوية العامة للدولة. 

تقريبا معظم دول القرن الافريقي،و اقصد ب دول القرن هي السودان و الصومال اثيوبيا جيبوتي اريتريا لديهم سؤال الهوية، حتى و ان كان هذا السؤال لم يطرح من قبل في الاعلام بقوة، لكنه كان سؤال يطرح دائما داخل عقل الانسان هناك و اصبح يثار الان مؤخرا بنوع من الحياء عند الكثير و في الاعلام . 

الحقيقة…. ان سؤال الهوية يطرحه نفسه بقوة في القرن الافريقي، و السبب لان الواقع هو من يفرض على سكانها طرح هذا السؤال، بل ان الاعلام الخارجي عند حديثه عن القرن الافريقي يطرح ايضا نفس الاسئلة التي يطرحها المواطن هناك. 

كيف؟ 

لو قمت بعمل نظرة على سكان القرن الافريقي، فستجد لدى غالبيتهم سمة مختلفة عن سمات سكان وسط افريقيا ، مثل لون البشرة و الانف و الشعر. 

و ايضا لغات سكان تلك المنطقة مختلف تصنيفها عن لغات وسط افريقيا و جنوبها، حتى و ان سموها بلغات افريقية. 

هذه الايام هناك حملة في امريكا يقودها رئيس امريكا ترامب و حزبه و انصاره ضد الجالية الصومالية في امريكا، لانها اصبح لها نشاط قوي جدا في امريكا بعكس بقية الجاليات العربية الاخرى ، رغم قلة حجم الجالية الصومالية و حداثة تاريخ تواجدهم في امريكا مقارنة ببقية الجاليات العربية ، لدرجة ان الجالية الصومالية دخلوا في منافسات الانتخابات ضد اعضاء حزب ترامب. 

و لو تابعت تلك الحملة ستجد ان الحملة تدور حول موضوع اليوم تقريبا، حملة ذكية و تعرف من اين تؤكل الكتف و تؤثر على الجمهور ، فقد كانت تستهدف الناخب الامريكي بشكل عام و الامريكي الذي من اصول افريقية، لان الناخب الامريكي من اصول افريقية له دور كبير في التصويت للمرشحين الصومالين و فوزهم بحكم انه افريقي يصوت لواحد افريقي. 

من بين موضوعات الحملة …. مقاطع فيديو لاشخاص يتحدثون بموضوعات علمية عن الصومال و يقولون بان الصومالين ليسوا افارقة، لان بشرتهم مختلفة، و شعر راسهم مختلف، او يحضروا واحد امريكي من اصول افريقية، يطلع مقطع فيديو في مواقع التواصل يقول بشكل غاضب : ” انا صومالي و لست اسود و لست افريقي” ، ليغضبوا الامريكي من اصل افريقي حتى لا يصوتوا لهم في الانتخابات. او يطلعوا مقاطع فيديو تقول الصومالين عرب و كان لهم دور في تجارة العبيد . 

تقريبا هذه الحملة في امريكا تختصر اسباب سؤال الهوية في القرن الافريقي.

في السودان….تقريبا كانت الحرب مع الجنوب التي ادت للانفصال ، سببها سؤال الهوية، هل السودان افريقية ام عربية هل السودان اسلامية ام مسيحية، و الحرب الان في السودان ضد الدعم السريع في اقليم دارفور يطرح فيه ايضا سؤال الهوية، و مشكلة من هم العرب و غير العرب. 

في الصومال.. رغم ان الصومال تقريبا كيان متجانس بلغة واحدة ، لكن يطرح لديهم سؤال هل نحن هويتنا عربية ام افريقية، و هناك الحساسية من الهوية العربية و كونها من ضمن الجامعة العربية، و علاقة الهوية العربية بالاسلام الذي هو دين معظم سكان الصومال و الخوف من تاثيرها على الهوية . 

في إريتريا…. هناك عدد كبير من سكانها يتكلم عربي ، لكن ارتيريا ليست عربية و ليست ضمن جامعة الدول العرببة. 

جيبوتي… ضمن جامعة الدول العربية، لكن لا يتكلمون عربي ، لديهم لغة خاصة. 

في اثيوبيا… استطاعوا حل مشكلة اللغة الرسمية الخاصة بقبيلة هناك بالاعتراف ببقية اللغات كلغة رسمية، لكن مازال هناك مشكلة بين الهوية الدينية للدولة هل المسيحية ام الاسلام، و مشكلة من هم القبائل الاصلية لسكان اثيوببا. 

الان ما هو السبب في ذلك ؟ 

يمكن اختصار الاسباب الجذرية لسؤال الهوية بثلاثة نقاط 

التاريخ 

اللغة 

الدين 

الموقع الجغرافي

* التاريخ 

يمكن البعض ممن يتابع صفحتنا و مدونتنا اصبح يدرك حقيقة ان التاريخ الذي كتب للناس هو تاريخ افتراضي وهمي ليس الحقيقي، اي تاريخ مكذوب، و هذا التاريخ المزور له دور في صعوبة فهم الواقع. 

القرن الافريقي حاله مثل حالة بقية المنطقة، كتب له تاريخ مكذوب و هو من اهم اسباب هذه الفوضى، و زادت العلوم الاجتماعية و البيولوجية من ترسيخ هذا التاريخ المزور حتى لا يستطيع الواحد الخروج منه. 

مثلا

 التاريخ الديني المزيف الذي كتب لاثيوبيا هو احد اسباب المشكلة في اثيوبيا، و اسباب ذلك الصراع الخفي بين المسيحية التي يعود لها الفضل في صناعة امجاد اثيوبيا الحضارة و التاريخ و بين الواقع المسلم الكبير فيها. 

و كذلك التاريخ المزيف الذي كتب للسودان، هو من بين الاسباب التي جعلت جنوب السودان يختار المسيحية، بحجة ان الاسلام جاء به العرب، لتكون المسيحية هي حاجز صد ضد الهوية العربية. 

و كذلك التاريخ المزيف الذي كتب للصومال ، هو من بين الاسباب التي جعلت الصومال لا يستطيع الفصل بين العرب و الاسلام، بحجة ان الاسلام قدم مع العرب. 

و نفس الحال في اريتريا، الذي جعلها لا تستطيع الفصل بين اللغة العربية و الاسلام بحكم كون المسيحين فيها يتكلمون العربي. 

* اللغة 

تقريبا اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في الارض التي يتعامل معها الاخرين على انها مفهوم عرقي خالص و حقوق الطبع خاصة بمجتمع و لا يجب التحدث بها الا اصحابها ، و يقول من يتكلمها بانه عربي، و يقال لمن يتكلمها هذا عربي، او يقال له لماذا تتكلم بها و انت لست عربي ، فمن يتكلم عربي فهذا يعني ان اصله عربي. 

و هذه المشكلة موجودة في القرن الافريقي. 

يعني مثلا 

اذا التقيت برجل صيني يتكلم انجليزي، فانت لا تستغرب، لانها مجرد لغة، و لا تقول له هل انت انجليزي ، و لا يقول هو بانه انجليزي، و لا تقول له لماذا تتكلم انجليزي و انت صيني. 

لكن في القرن الافريقي مشكلة 

اذا تكلم شخص من هناك باللغة العربية.. فالاخر يستغرب، و يشعر بانه لا يصح ذلك، و تضطر تساله هل انت عربي . 

و اذا الشخص هنا لا يجيد لغة غير العربية ، فهو يقول عن نفيه انع عربي، وانت تستغرب، و الاخرين يقولون له عربي ، و اذا اشتدت حدة سؤال الهوية، سيقال له كيف تتكلم عربي و انت ملامحك ليست عربية. 

و تصبح عندها مسالة التحدث بالعربية مسالة كرامة و هوية ، كيف تتبنى لغة عرق اخر، و انت لست من عرقية عرب. 

هذا المشكلة مع العربية عند من يطرحون سؤال الهوية بشكل حاد ، لاتجدها ابدا عندهم مع اللغات الاخرى مثل الانجليزية، فلا يتم التعامل معها كلغة عرقية شغب الانجليز، و يمكن ان يتحدث بها الشخص بدون حساسية. 

* الدين 

تقريبا هذه النقطة لها علاقة بتاريخ الدين في تلك المنطقة ، خصوصا الاسلام، فصورة الاسلام هناك انه دين نشره العرب، و لذلك سيكون الاسلام شؤون عربية يتولى امرها العرب ، او سيصبح من اختصاصات العرب و هو اسباب تواجد العرب هناك، و لذلك لا توجد مرجعية للاسلام هناك محلية، او الدول لم تؤسس لمرجعيات هناك ، و الغالبية لها مرجعيات خارجية، و هي من تتولى توضيح الدين لهم، كحال بقية المنطقة. 

ايضا غياب مفهوم الدين بشكل عام، فهو مثل حال بقية العالم يفهم على انه مكون ثقافي و لا يفهم من منطلق صحيح و هو ما هي فطرة الانسان. 

 اما بخصوص الاديان التقليدية لدى بعض القبائل المنعزلة هناك، لم يتم التعامل معها بالشكل الصحيح، و انها دين يجب ان يكون ضمن الاديان مع فتح الحوار معهم و النقاش. 

* الموقع الجغرافي 

ربما هذه النقطة من اهم النقاط. 

الحقيقة بعد متابعة صفحات و موضوعات و تعليقات من الصومال اثيوبيا و السودان و غيرها ، وجدنا ان تلك المنطقة خاصة دون بقية افريقيا .. يملك سكانها مقياس وحيد لدرجة الهوس في تصنيفات الناس فيها و هو الشكل، و حسب الشكل يطرح موضوع، من هو الاصل في الارض، و من هو الوافد، و ما هي العرقية. 

هل تتذكرون مجازر رواندا بين الهوتو و التوتسي ؟ 

صحيح ان المستعمر الغربي هو السبب الرئيسي وراء تلك الكارثة البشعة، لانه عندما دخل اليهم اعطى امتيازات لقبيلة دون اخرى ، لكن جذور تلك الكارثة تعود لذلك المقياس الشكلي في تصنيف الناس. 

فالتوتسي يملكون ملامح مختلفة عن الهوتو، ملامحهم قريبة من الصوماليون ، و على اساس ذلك المقياس كان الصراع حول من هو الاصل و من هو الوافد، حيث يقال بان التوتسي وافدون جدد في رواندا، بينما سكان رواندا الاصلين هم قبيلة الهوتو. 

من هذا المقياس حدثت تلك الكارثة. 

و مثلا في اثيوبيا

تقريبا الدولة العميقة في اثيوبيا كانت بيد المسيحين في اثيوبيا، و لهم الفضل في منح اثيوبيا الطابع المسيحي عالميا، و تحديدا هولاء من قبيلة في اثيوبيا، يعرف سكانها بملامح قريبة لسكان اليمن و كان من بينهم هيلا سيلاسي، و بسبب التهميش و الاقصاء للاخرين ، اصبح سؤال يطرح هناك من اكبر قومية هناك تقريبا معظم سكانها مسلمين ، و هو موضوع كون هولاء ليسوا من اثيوبيا، و بالمقابل يتم الرد عليهم بانهم ايضا تاريخيا قادمون من كينيا و ليسوا من اصل اثيوبيا. 

و اذا قيل لهم بانهم من اصول من اليمن، ياتيهم حالة غضب شديدة، و يقولون انهم من افريقيا و ليس من اليمن، بل العكس هو الصحيح، و هو رد فعل طبيعي جدا، ليس لانه ينطلق من موقف علمي، و لكن لان تايدهم لهذا الكلام، يفقدهم الحق الشرعي في الحكم في اثيوبيا، بحكم كونهم وافدين و ليسوا من اصل اثيوبيا. 

ايضا لديك في السودان .. و الحرب في دارفور، من هم سكان الاصل لدارفور و من هم الوافدون، و المقياس هو الشكل، فتجد المشكلة من هو عربي و من هو غير عربي. 

تقريبا هذه المشكلة سببها موقع القرن الافريقي الذي هو نقطة التقاء ثقافي و بشري، و هي ليست منحصرة في القرن الافريقي، بل في مناطق كثيرة في العالم، و تحديدا مناطق الالتقاء الثقافي و البشري، فتلك المناطق تعاني من سؤال الهوية، و التجاذب بين ثقافتين ، و المقياس الشكلي حاضر لديهم. 

و افضل مثال لذلك هو المغول و التتار 

تقريبا الكثير يعتقد بان المغول و التتار هم شعب واحد، او عرقية واحدة، و تستحضر لديه صورتهم في الافلام التي عملت حول غزوات المغول للمنطقة حسب التاريخ الذي كتب. 

لكن الحقيقة ان المغول شيء و التتار شيء اخر، المغول هم يملكون ملامح الصينين، بينما التتار يملكون ملامح الروس، و بسبب هذا الخلط التاريخي، توجد لدى التتار مشكلة الهوية، و هي ان بعضهم مازال يعتقد انهم مغول ، و لذلك تجد أحاديث لديهم تطرح حول نفي هذا الشيء. 

ليس هذا فقط 

بل ان المناطق التي تفصل بين منغوليا و التتار، تجد سكانها يحملون سمات مشتركة من المغول و التتار، خلطة ما، و لذلك تجدهم بين تجاذبات الهوية لهولاء ام هولاء. 

ليس فقط المغول و التتار ، بل ايضا المناطق الالتقاء بين الهند و الصين، تجد سكانها يحملون سمات الهند و الصين، خلطة ما، و هم ايضا يعيشون تجاذبات الهوية. 

و هذا هو حال القرن الافريقي، حدث عندهم خلطة بين اليمن و افريقيا فتكونت تلك السمة الشكلية لديهم، التي تجمع بين سمات الاثنين، و هذا السمة ليس واقع حديث في القرن الافريقي، فنحن نتحدث عن واقع تشكل نتيجة زمن قديم في الارض، نتيجة عمليات تزاوج جرت منذ الالف السنين، هي من انتجت هذا الواقع. 

بدليل ان تلك الخلطة لم تقتصر على السمات الشكلية، بل انعكست ايضا على اللغة، فليس لديهم لغات افريقية خالصة مثل اللغات النيلية، و علماء اللغة احتاروا في تسمية لغات القرن الافريقي دون بقية لغات افريقيا ، فسموها اللغات الافرواسيوية ، يعني لغة خلطة بين افريقيا و اسيا، و لم يكن هناك من داعي للقول بانها لغة افريقية، و كان يجب ا يقال انها لغات باسم ما. 

انا اعرف ان هذا التفسير، يمكن لا يتقبله البعض، خصوصا جماعة الافروسنتر المتعصبين ، لكنها الحقيقة مع الدليل المادي، فاليمن كانت مركز استيطان بشري قديم جدا،و حدثت هجرات قديمة لهناك ، و علاقتها بافريقيا كانت متواصلة بحكم الدين و التواجدي البشري القديم في الارض، و من منطلق اعتبار ان الارض قديما كانت واحده و ليست حدود و دول، و العملية كانت اتصال طبيعي، و ليست حالات غزو ابدا، ظاهرة طبيعية تجري في الارض. 

نقطة اخيرة مهمة 

انا اعتقد بان المسلم الحالي، ليس مسلم فعلا ، ف مازال كلام الله لا يؤثر فيه، مع انه القران يخبرة الحقيقة و يشرح له الحقيقة ببساطة، الناس في الارض من نفس واحدة و جعل فينا اختلاف الالسن و الالوان، و الله خلقك في اي صورة ما شاء ركبك. 

لذلك الرابط الحقيقي الذي يجب ان يجمع الناس حاليا ، ليس اللون و لا اللسان، بل هو تقوى الله و العمل الصالح، هذه هي القبيلة التي يدعوك الله في كتابة للإنضمام لها، و ليست الى عصبية القبيلة او القارة او اللون او اللسان. 

لان الحقيقة ببساطة شديدة… الناس كلهم اخوة و من نفس واحدة.

اترك تعليق